تقارير
خطف وقتل وتجويع … واقع يومي في الأبيض السودانية منذ ثلاث سنوات
مشاوير - تقرير: إشراقة علي عبد الله

لا تزال مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان، تعيش تحت وطأة الحرب المستعرة بين الجيش وقوات “الدعم السريع”، إذ تحولت إلى ساحة صراع ممنهج لم يهدأ فيها صوت الرصاص ودوي المدافع وهجمات المسيرات.
وعلى رغم قسوة الحرب والحصار الخانق للمدينة من قبل “الدعم السريع”، بإغلاقها مداخل المدينة الرئيسة منذ أبريل 2023، مما انعكس سلباً على السكان بعد انهيار القطاعات الاقتصادية والمعيشية من بينها الصحة والتعليم والمياه والكهرباء، وباتوا في عزلة وواقع إنساني معقد، إلا أنهم يواجهون الحياة بالصمود مع انشغالهم بمهمة البقاء والبحث عن بدائل لتأمين سبل عيشهم.
واقع معقد
تقول عضو غرفة الطوارئ في مدينة الأبيض وعد وليد إن “الظروف القاسية التي تعيشها المدينة في ظل الحصار المحكم الذي تفرضه قوات “الدعم السريع” عقب إغلاق مداخل المدينة الرئيسة، وما تسبب من عزلة وواقع إنساني مأزوم وانهيار شبه تام للأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وعلى رغم ذلك أصبحت ملاذاً للفارين نتيجة تصاعد وتيرة الاشتباكات بين طرفي الصراع، مما شكل ضغطاً على مواردها عقب سيطرة تلك القوات المتمردة على إقليم دارفور وأجزاء واسعة في كردفان، من ضمنها مدينة النهود ومحلية القوز، لا سيما أن عدد النازحين في المدينة تجاوز حاجز 700 ألف، وهي أرقام تجسد قسوة الحرب ومعاناة في تفاصيل الحياة”.
وأضافت، “المواطنون في هذه المدينة تتفاقم أوضاعهم الإنسانية بصورة يومية، بخاصة بعد إغلاق الطرق الحيوية وعلى رأسها طريق بارا – الخرطوم وطريق كادوقلي، مما انعكس بدوره على سبل العيش والخدمات الأساسية وحدث ارتفاع جنوني في أسعار السلع الاستهلاكية نتيجة انقطاع الإمدادات وتوقف حركة النقل”.
تابعت وليد، “منذ أمد بعيد يعاني السكان أزمة مياه تجددت بسبب استهداف البنى التحتية وخروج المحطات والخطوط الناقلة للخدمة، لجهة أن المدينة كانت تعتمد على منطقتي بارا وود بندة في الإمداد المائي، بينما غيرت الحرب الحال واضطر سكانها لحفر الآبار الجوفية وصيانة المضخات القديمة لتوفير الحد الأدنى من المياه عقب الحصار الخانق”.
ولفتت إلى أن “الظلام الدامس يخيم على مدينة الأبيض بسبب الانقطاع التام في الكهرباء الناتج من الهجمات المتكررة بالطائرات المسيرة، فيما ألقى بظلاله على الحياة اليومية، خصوصاً في ما يتعلق بتشغيل مضخات المياه وحفظ بعض العلاجات الحساسة، مثل الأنسولين وأمصال صحة الحوامل والأطفال حديثي الولادة، كذلك أسهمت في تلف كميات كبيرة من الأدوية وهو ما فاقم حاجة أصحاب الأمراض المزمنة”.
وأشارت عضو غرفة الطوارئ إلى أن “الأزمات تمتد إلى الصحة النفسية للسكان الذين يحاولون الصمود وسط ضغط كبير في المعيشة وفقدان أبسط مقومات الحياة الطبيعية، بالإضافة إلى القلق بعدما طاول شلل الحياة قطاع التعليم الذي أسهم في انقطاع الدراسة نتيجة الأوضاع الأمنية والاقتصادية، وفي الوقت نفسه يرفضون مغادرة منازلهم مع انشغال الأسر بمهمة البقاء على قيد الحياة ومحاولة قهر الظروف بتأمين مصادر العيش”.
ركود وبدائل
من جانبها أوضحت الناشطة في المجال الإنساني اعتماد الرشيد أن “حصار مدينة الأبيض لا يزال مشدداً بسبب المواجهات المستعرة في بعض مناطق إقليم كردفان، ما يعني الانزلاق نحو حرب طويلة الأمد، إذ حولت سوق المحاصيل، التي تعد قلب المدينة النابض، إلى حال من الركود بسبب تقاطع قيود الحصار مع تراجع الإنتاج، فضلاً عن خروج كبار الموردين من دائرة النشاط بعد تعرض بضائعهم للنهب وتدمير المزارع في أطراف المدينة، مما أدى إلى شح السلع الأساسية وارتفاع أسعارها”.
وأشارت الرشيد إلى أن “المدينة تشهد اختفاء منتجات الألبان والدواجن خلال العامين الماضيين عقب سيطرة القوات العسكرية على المزارع وتدميرها جراء العمليات العسكرية، لا سيما أن هذا القطاع تلاشى لدرجة أن ظهور الدجاج اللاحم في الأسواق أخيراً كان بمثابة حدث نادر واستثنائي بعد حرمان طويل”.
ومضت قائلة “معلوم أن الأبيض تعاني أزمة سيولة جعلت الحصول على الأموال النقدية (الكاش) لتسيير الاحتياجات اليومية، معضلة. وفي الموازاة أدى انعدام النقد بسبب الحصار المفروض منع دخول أبسط المنتجات مثل الصابون، مما دفع السكان البحث عن بدائل تعتبر ذات كلف باهظة، إما بتصنيعه داخل المنازل أو المستورد من دولة جنوب السودان لتعويض غياب المصانع المحلية”.
ونبهت الناشطة في المجال الإنساني إلى أن “أزمة الوقود كان لها دور بارز في المعاناة نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات، التي وصلت إلى مستويات قياسية، لا سيما أن هذا الغلاء رفع من كلفة النقل ومعيشة المواطن. إذ يضطر سائقو الشاحنات إلى سلك طرق طويلة وعرة، مما رفع أسعار السلع الاستهلاكية إلى أرقام تفوق القدرة الشرائية، علاوة على زيادة تعرفة المواصلات للسكان الذين يعانون أصلاً انقطاع المرتبات”.




