تتحرك الدبلوماسية السودانية في هذه المرحلة الدقيقة وفق حسابات استراتيجية معقدة، تتجاوز السائد والمُعلن في الساحة السياسية، وهو ما تجلى بوضوح في زيارة رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، الأخيرة إلى العاصمة البحرينية المنامة.
هذه الخطوة، وإن بدت في ظاهرها بروتوكولية، إلا أن أبعادها الحقيقية، بحسب قراءات لمصادر مطلعة ومحللين سياسيين، تؤشر إلى ترتيبات أعمق تمهد لمباحثات مباشرة بين الخرطوم وأبوظبي، بعيداً عن المسارات التقليدية التي سادت في الفترات السابقة.
إن التفسير الأقرب لجوهر التحركات الجارية يستبعد تماماً فرضية أن تكون المنامة محطة تفاوضية جديدة بين الجيش وقوات الدعم السريع.
فالواقع الميداني والسياسي يفرض معادلة مختلفة، حيث يرى مراقبون أن التركيز الحالي ينصب على معالجة الجذور الإقليمية للأزمة، وليس مجرد الجلوس مع الأطراف المحلية.
هذا التوجه نحو الحوار المباشر مع دولة الإمارات يمثل تحولاً جوهرياً يعكس رغبة الخرطوم في حسم الملفات العالقة وتفكيك شبكات الدعم الخارجي عبر قنوات دبلوماسية رفيعة المستوى، وهو ما يفسر حدة الجدل والارتباك اللذين أصابا بعض التيارات السياسية والإعلامية الداخلية.
وفي هذا السياق، يمكن فهم الهجوم الحاد الذي شنه ناشطون محسوبون على التيار الإسلامي ضد البرهان عقب الزيارة؛ حيث عُدّت هذه المعارضة الشرسة، للمفارقة، دليلاً دامغاً على جدية التحركات الدبلوماسية الدائرة خلف الكواليس.
فالأطراف الراديكالية المتخوفة من أي تقارب قد يفضي إلى تسوية شاملة تسعى لاستباق النتائج بفرض ضغوط إعلامية، في حين ترى القراءة التحليلية للمشهد أن ما يدور في المنامة يمثل اختراقاً حقيقياً يهدف إلى صياغة تفاهمات سودانية ــ إماراتية واضحة المعالم، تتجاوز الصيغ السابقة التي جمعت في وقت مضى نائب قائد الجيش بنائب قائد الدعم السريع برعاية أصدقاء السودان، والتي انتهت بالفشل لعدم ملامستها جوهر الخلاف الإقليمي.
ومن جانب آخر، يتكامل هذا الحراك الدبلوماسي مع قراءة واقعية للمتغيرات على الأرض داخل بنية قوات الدعم السريع نفسها.
ويرى محللون يدينون بالولاء لحكومة بورتسودان أن قوات الدعم السريع تعيش حالة من الانقسام الداخلي، مما يجعل الرهان على تفاوض سياسي شامل معها في عاصمة أجنبية أمراً غير ذي جدوى في الوقت الراهن.
وبدلاً من ذلك، تبرز فاعلية التفاوض الميداني والأهلي الجاري داخل السودان، والذي يثمر بشكل مستمر عن انشقاقات متتالية وانضمام أعداد متزايدة من المقاتلين إلى صفوف القوات المسلحة، وهو مسار مرشح للتوسع ليشمل مناطق واسعة في دارفور وكردفان.
بناءً على ذلك، وبالنسبة لبورتسودان، يصبح التفاوض الحقيقي والمنتج هو ذلك الذي يُجرى مع الفاعلين الإقليميين الكبار لترتيب مرحلة ما بعد الحرب، بينما يُترك الحسم الميداني والحلول المحلية لمعالجة الوضع الداخلي المتآكل.