الشوارع حاضرة قبل أن تعرف المدن أسماءها.
كانت آثارًا خفيفة تتركها الأقدام على وجه الأرض، قبل أن تتسع أكثر مع مرور الوقت، فتأتي إليها الأرصفة والظلال والواجهات، فتجعلها ذاكرةً تمشي عليها المدن.
الشارع لا يحفظ المسافة بين مكانين فقط؛ يحفظ ما وقع بينهما. يحفظ رجلًا أطال السير لأنه كان يؤجل وصولًا لا يريده.
يحفظ امرأة تسرع بخطواتها، تحمل خبرًا لا يحتمل الانتظار، وطفلًا اكتشف للمرة الأولى أن العالم أكبر من باب البيت.
كل عابر يترك في الطريق شيئًا منه؛ نبرة خطوته، ارتباكه، فرحه الخفي، أو حزنًا مرّ به ولم يره أحد.
للشوارع طبائعها الخاصة. بعضها يفتح في الروح رغبة الرحيل، وبعضها يعيد إليها طفولة بعيدة لا تعرف أين خبأتها الأيام.
هناك شوارع تشبه الأغاني القديمة؛ لا تحتاج إلى سماعها كاملة كي تتذكرها. وهناك شوارع تشبه الكتب العتيقة؛ كلما عدت إليها وجدت بين صفحاتها معنى جديدًا.
الشارع ليس فراغًا نعبره، بل طرفٌ صامت في حكايتنا. فالإنسان لا يمشي على الطريق فحسب؛ إنه يدخل معه في علاقة لا تُقال بالكلمات.
الأرض تستقبل وقع خطوته، والخطوة تكشف شيئًا عن صاحبها ومنه.
هناك من يمشي بخفة من يطلب الإذن من العالم، وهناك من يطأ الأرض كأنه يريد أن يثبت أنه كان هنا، وهناك من يسير بحذر خشية أن يوقظ الأسرار النائمة على جانبي الطريق.
لكن المشي أعمق من حركة جسد.
فالقدم لا تبدأ الرحلة؛ إنها تصل إليها بعد أن تكون قد بدأت في مكان آخر. قبل أن تغادر الأرض، يكون الطريق قد تشكل في الداخل؛ في تلك المساحة الخفية التي تُرتب فيها الرغبات والجهات والاحتمالات. العقل هو الرحّالة الأول؛ يسبق صاحبه إلى الأمكنة، يرى الطريق قبل أن يُرى، ثم يترك للجسد مهمة العبور.
في المشي تعمل اليدان بصمت، كأنهما تعرفان سرًا قديمًا من أسرار الجسد. لا ننتبه إليهما لأنهما لا تلامسان الأرض، ومع ذلك ترافقان كل خطوة، تفتحان لها مجالها في الهواء، وتمنحان الحركة ذلك الإيقاع الخفي الذي يجعل السير أكثر اتزانًا. إنهما مجدافان صغيران يرافقان الجسد في رحلته؛ لا يشقان الماء، بل يشقان الفراغ من حوله، حتى يمضي الإنسان بخفة من يعرف طريقه.
فالإنسان لا يعبر الأرض وحدها؛ إنه يعبر الهواء أيضًا. وفي كل خطوة اتفاق صامت بين الجسد والعالم، بين قدم تبحث عن موطئها ويدين تحفظان للحركة انسجامها.
لهذا لا يحمل الإنسان جسده حين يمشي فقط؛ يحمل ذاكرته، ومخاوفه، ورغباته، والطرق التي لم يسلكها. فالخطوة ليست انتقالًا بين مكانين، بل أثر صغير لعلاقة الإنسان بالعالم.
وربما لهذا تختلف الشوارع في عيون العابرين. فهناك من يمر بها ولا يراها، وهناك من يصغي إليها، ويشعر أن لكل منعطف قصة، ولكل رصيف زمنًا مرّ به ثم مضى.
في النهاية لا تبقى المدن في أبنيتها وحدها. تبقى في الطرق التي قطعناها، وفي الظلال التي رافقتنا، وفي اللحظات التي غيرتنا ونحن نظن أننا نمضي من مكان إلى آخر.
فالإنسان لا يصنع سيرته بالقرارات الكبرى وحدها؛ أحيانًا تصنعه خطوة عابرة في شارع لم يكن يعلم أنه سيصبح، بعد سنوات، جزءًا من ذاكرته.