مقالات

ماذا يملك الكيزان على البرهان؟

إبراهيم هباني

ثمة سؤال ظل عبد الفتاح البرهان يؤجله منذ أن جلس على قمة المؤسسة العسكرية بعد سقوط عمر البشير، لكنه كلما حاول الهرب منه أعادته الوقائع إليه: ماذا تملك الحركة الإسلامية على قائد الجيش السوداني؟

السؤال ليس اتهاما بوجود ملف سري، ولا ادعاء بمعرفة ما يدور في الغرف المغلقة. هو سؤال سياسي تفرضه سبع سنوات من الوقائع والتناقضات. فالرجل الذي يقول، أو يوحي، بأنه يريد فك ارتباط الجيش بالإسلاميين، ينتهي عند كل منعطف حاسم أكثر التصاقا بهم، وأكثر احتياجا إلى شبكاتهم وكتائبهم وقدرتهم على التعبئة. وهذه مفارقة لم تعد الخطب كافية لتفسيرها.

لم يرث البرهان وطنا مستسلما. ورث وطنا منتظرا.

كان السودان بعد سقوط البشير، بكل فوضاه وهشاشته، أقرب إلى فرصة تاريخية منه إلى دولة منهارة. خرج السودانيون من ثلاثين عاما من حكم الإنقاذ وهم مستعدون لدفع ثمن الانتقال، وقد دفعوا بالفعل أغلى ما يملكون. لم يطلبوا من الجيش أن يحكمهم، ولا أن يستبدل جنرالا بجنرال، ولا أن يعيد إنتاج الدولة القديمة بوجوه جديدة. طلبوا منه المهمة الأصعب والأبسط معا: أن يحمي حقهم في بناء دولة مدنية، وأن يعود هو إلى مكانه الطبيعي جيشا للوطن، لا شريكا في السلطة.

وكان يمكن للبرهان أن يفعلها.

كانت أمامه فرصة نادرة لأن يصبح القائد الذي يخرج الجيش من السياسة، ويحرره من إرث ثلاثين عاما من التمكين، ويسلم المدنيين دولة بدلا من أن ينازعهم عليها. لم يكن مطلوبا منه أن يكون بطلا. كان يكفي ألا يصبح عقبة.

لكنه أصبح العقبة الأكبر.

بدأت المأساة مبكرا أمام بوابات القيادة العامة نفسها. هناك احتمى الثوار بالجيش، وهناك سال دمهم في فض الاعتصام في الثالث من يونيو 2019. أما المسؤوليات الجنائية النهائية فمكانها تحقيق مستقل وقضاء عادل، لكن المسؤولية السياسية لا تحتاج إلى كثير اجتهاد لمعرفة من كان يحكم. كان المجلس العسكري برئاسة البرهان، وكان محمد حمدان دقلو نائبه.

وكان ذلك أول دين ثقيل في دفتر المرحلة.

ومع ذلك، منح السودانيون العسكريين فرصة أخرى. جاءت الوثيقة الدستورية، وتشكلت الحكومة الانتقالية، وقبل الناس شراكة لم تكن حلمهم، لكنها كانت الجسر الممكن إلى الوطن المنتظر. وكان يفترض أن يكون البرهان حارسا للجسر، فإذا به يصبح واحدا ممن أغلقوا الطريق إليه.

تعطل الانتقال، وتأجل إصلاح المؤسسة العسكرية والأمنية، وظلت مفاصل مهمة من الاقتصاد والأمن والسلاح خارج الولاية المدنية الكاملة، وكلما اقترب السؤال من موعد خروج العسكريين من السياسة ظهرت أزمة جديدة تمنحهم سببا إضافيا للبقاء فيها.

ثم جاء 25 أكتوبر 2021 وأسقط ما تبقى من الأقنعة.

البرهان ودقلو، اللذان يقتتلان اليوم، لم يكونا يومها عدوين. كانا شريكين في انقلاب واحد. اعتقلا رئيس الوزراء، وعطلا المسار الانتقالي، وأعادا البندقية إلى موقع الحكم. وقيل للسودانيين إن ما حدث ضرورة لإنقاذ البلاد من صراعات المدنيين وفشلهم.

وبعد أقل من عامين، عرف السودانيون شكل الإنقاذ الذي أعده لهم الجنرالان.

في 15 أبريل 2023 تحولت الشراكة إلى حرب. الرجلان اللذان اتفقا على إقصاء المدنيين اختلفا لاحقا بالسلاح، فانفتح السودان على واحدة من أكثر مراحله دمارا. لم تعد القضية مجلس سيادة أو حكومة أو وثيقة دستورية. صارت بيتا يحترق، وطفلا يجوع، وأسرة تعبر الحدود، ومواطنا يبحث عن دواء، ومدنا كاملة تتعلم كيف تعيش بلا دولة.

نزح الملايين ولجأ الملايين، ودمرت الأحياء والمنشآت، وانهار الاقتصاد والخدمات، وتفرقت الأسر بين المنافي والمعسكرات. والمفارقة التي ينبغي ألا تضيع وسط ضجيج الدعاية أن المدنيين الذين انقلب عليهم البرهان ودقلو بحجة إنقاذ السودان من خلافاتهم أصبح كثير منهم نازحين ولاجئين بسبب حرب القوتين اللتين كانا يقودانها.

ومع ذلك، يراد للسودانيين أن يبدأوا قراءة الحكاية من صباح 15 أبريل، كأن السنوات التي سبقته لم تكن موجودة.

التاريخ لا يعمل بالمونتاج.

لا يمكن حذف فض الاعتصام، ثم تعطيل الانتقال، ثم انقلاب أكتوبر، ثم الشراكة العسكرية بين البرهان ودقلو، ثم الانفجار بينهما، والبدء من الحرب لتقديم البرهان باعتباره قائدا فوجئ بكارثة لم يكن طرفا في مقدماتها.

كما لا يمكن إعفاء دقلو وقواته من مسؤولياتهم الجسيمة عن الحرب والانتهاكات والخراب. مسؤولية طرف لا تمنح الطرف الآخر شهادة براءة، والسودان ليس محكمة لا تتسع إلا لمتهم واحد.

والحرب، فوق كل مآسيها، كشفت عورة حاول الخطاب الرسمي طويلا سترها: الدولة السودانية فقدت احتكارها للسلاح. حول الجيش قوات وحركات وكتائب ومستنفرون وتشكيلات تحمل ولاءات سياسية وعقائدية وجهوية، وكل بندقية تدخل الحرب تحمل معها صاحب نفوذ ومصلحة ومشروعا لما بعدها.

وهذه ليست علامة قوة.

إنها علامة ضعف الدولة.

فالجيش الذي يحتاج إلى حزب ليقاتل معه قد يحتاج إليه غدا ليحكم معه. والتنظيم الذي يدفع مقاتليه إلى الحرب تحت راية الجيش لن يعود بسهولة إلى مقاعد المتفرجين عندما تتوقف المدافع. وكل بندقية سياسية تدخل المعركة اليوم ستطالب بنصيبها من الدولة غدا.

وهنا يظهر الإسلاميون.

لم يسقط نظام الإنقاذ بالطريقة التي تسقط بها بناية ثم تختفي. سقط رأس النظام وبقي كثير من تمدداته. ثلاثون عاما كانت كافية لبناء شبكات داخل الإدارة والاقتصاد والأمن والإعلام والمؤسسات المسلحة. ومن السذاجة الاعتقاد أن كل ذلك اختفى صباح الحادي عشر من أبريل 2019.

كانت تلك، تحديدا، فرصة البرهان التاريخية.

كان يستطيع أن يفك الاشتباك بين الجيش والتنظيم، وأن يقول إن القوات المسلحة بعد الثورة ليست جيش الحركة الإسلامية، ولا جيش قوى الحرية والتغيير، ولا جيش البرهان. إنها جيش السودان.

لكنه لم يفعل.

ومع الحرب أصبحت العلاقة أكثر تعقيدا. عادت شخصيات وشبكات إسلامية وكتائب محسوبة على تيارهم إلى واجهة المشهد، وأصبحت جزءا من التعبئة السياسية والإعلامية والعسكرية في معسكر الجيش.

وحين يذهب قائد الجيش إلى لقاء قيادة كتيبة البراء بن مالك، فإن الصورة لا تبقى عسكرية مهما قيل في تفسيرها. الصورة في السياسة بيان، وأحيانا تكون أكثر صدقا من ألف خطاب.

لا يمكنك أن تطمئن السودانيين صباحا بأن الجيش لن يكون مطية للإسلاميين، ثم تمنح مساء رمزية سياسية لقوى يرون فيها امتدادا للمشروع نفسه.

ولا يمكنك أن تشكو من كثرة المليشيات بينما يصبح تعدد البنادق جزءا من معسكر الحرب.

ولا يمكنك أن تطلب من المدنيين أن يثقوا في المستقبل بينما لا تقدم إجابة واضحة عن أبسط أسئلته: من سيملك السلاح عندما تتوقف الحرب؟

ثم جاء خطاب عيد الجيش ليكمل المفارقة.

بعد الثورة والدم والانقلاب والحرب والنزوح واللجوء، عاد البرهان يحدث السودانيين عن الحوار.

ليس في الحوار عيب، فلا نهاية لأي حرب من دون سياسة. لكن المشكلة ليست في كلمة «الحوار»، بل في من يحدد شروطه، ومن يرسم حدوده، ومن يحتفظ بالسلاح بينما يجلس الآخرون إلى الطاولة.

السودانيون يعرفون هذه الوصفة.

سمعوها في عهد البشير. كان اسمها «حوار الوثبة». كان النظام يدعو خصومه إلى طاولة يملك هو أرجلها وكراسيها والغرفة التي وضعت فيها، ثم يعلن أن السودان يتحاور.

واليوم، إذا كان المطلوب حوارا تحدد السلطة العسكرية شروطه، بينما الحرب مستمرة، والفضاء السياسي مختل، والسلاح موزع بين قوى متعددة، فما الجديد سوى اسم صاحب الدعوة؟

السودان لا يحتاج إلى وثبة أخرى. الأولى لم تنقذه.

وهنا نعود إلى السؤال الذي ظل مؤجلا:

ماذا يملك الكيزان على البرهان؟

لا نعرف.

ولا يجوز اختراع الإجابة.

ليس هناك، في المجال العام، ما يكفي للجزم بأن الحركة الإسلامية تحتفظ بملف شخصي أو سر تستخدمه لابتزاز قائد الجيش. لكن غياب الإجابة لا يلغي مشروعية السؤال، بل يجعل السؤال أكثر إلحاحا.

فالبرهان هو قائد الجيش، ورأس السلطة الفعلية في معسكره. فإذا كان مقتنعا بأن الحركة الإسلامية خطر على المؤسسة العسكرية، فلماذا لا يبعدها؟

إن كان يريد ويستطيع ولا يفعل، فهذه شراكة.

وإن كان يريد ولا يستطيع، فهذا ارتهان.

وإن كان لا يريد أصلا، فقد سقطت الحجة من أساسها.

وربما نكون قد أخطأنا عندما بحثنا عن سر مخبأ في خزنة.

ربما لا يملك الإسلاميون على البرهان وثيقة ولا تسجيلا ولا ملفا. ربما يملكون شيئا أكثر أهمية في زمن الحرب: ما يحتاجه الرجل للبقاء.

شبكاتهم.

كوادرهم.

قدرتهم على التعبئة.

إعلامهم.

خبرتهم الطويلة داخل أجهزة الدولة.

مقاتليهم.

وعلاقات صنعتها ثلاثة عقود من الحكم.

وهو، في المقابل، يملك لهم ما يحتاجونه هم أيضا: مظلة المؤسسة العسكرية، وشرعية البندقية، وفرصة العودة من نافذة الحرب بعدما أخرجتهم الثورة من باب السلطة.

إن كانت هذه هي المعادلة، فلا يوجد مبتز وضحية.

يوجد احتياج متبادل.

وهذا أخطر.

فالابتزاز قد ينتهي بكشف السر، أما المصالح المتبادلة فلا تنتهي إلا عندما تتغير معادلة السلطة نفسها.

وهذه ربما مأساة تجربة البرهان كلها. كان يستطيع أن يكون الرجل الذي يحرر الجيش من إرث الإنقاذ، فإذا بإرث الإنقاذ يعود في عهده جزءا من معادلة بقاء السلطة والحرب.

كان يستطيع أن يكون آخر جنرال يحكم السودان، فإذا به يفتح الباب أمام المزيد من البنادق الطامحة إلى السياسة.

كان يستطيع حماية الانتقال، فعطله.

وكان يستطيع تسليم السلطة، فانقلب عليها مع دقلو.

وكان يستطيع مع شريكه منع الصراع على السلطة من التحول إلى حرب، فانتهى الاثنان يتقاتلان فوق ما تبقى من الدولة.

واليوم، بعد كل ذلك، يعرض على السودانيين الحوار.

كأن مشكلة السودان كانت دائما نقص الكراسي.

لم تكن المشكلة يوما في الكراسي.

كانت فيمن يحتفظ بالبندقية خلف الكرسي.

ولا يحتاج الجيش السوداني إلى من يدافع عن أخطاء قيادته باسم الوطنية. الدفاع عن الجيش ليس الدفاع عن البرهان، مثلما أن نقد البرهان ليس عداء للقوات المسلحة. المؤسسة التي يصبح قائدها أكبر منها تكون قد بدأت تفقد معناها.

احترام الجندي لا يفرض تقديس الجنرال.

والجيش ليس حزبا سياسيا حتى يصبح الدفاع عن رئيسه معيارا للوطنية.

الجيش مؤسسة وطنية، ومصلحته أن يكون بلا كيزان وبلا قوى سياسية وبلا كتائب عقائدية وبلا مليشيات وبلا شيوخ يمنحون الحرب شرعيتها. جيش لا يعرف في السياسة إلا الدستور، ولا يعرف في السلطة إلا الحكومة التي يختارها السودانيون.

هذه هي المهنية التي كان ينتظرها السودان من البرهان.

وبعد سبع سنوات، لم يعد السؤال لماذا لم يحققها، بل: هل كان يريدها أصلا؟

الحصيلة يصعب تجميلها: ثورة انتظرت دولة، ودم سال أمام بوابة الجيش، وانتقال مدني تعطل، وانقلاب نجح في إسقاط الحكومة وفشل في بناء البديل، وشريكان أخرجا المدنيين من السلطة ثم أخرج كل منهما سلاحه في وجه الآخر، وحرب شردت شعبا، وإسلاميون يعودون إلى قلب المشهد، وقائد جيش ينتهي إلى وصفة حوار تذكر السودانيين بوصفة النظام الذي أسقطته ثورتهم.

كل ذلك أكبر من أن يفسر بسوء الحظ.

ولهذا ربما لم يعد السؤال الصحيح: ماذا يملك الكيزان على البرهان؟

السؤال الأكثر قسوة هو:

ماذا يبقى للبرهان إذا تخلص من الكيزان؟

إن كان يستطيع الاستغناء عنهم ولا يفعل، فقد عرف السودانيون اختياره.

وإن كان لا يستطيع، فقد عرفوا حدود سلطته الحقيقية.

وفي الحالتين يصبح السؤال أكبر من البرهان نفسه: إذا كان قائد الجيش لا يستطيع تحرير قرار مؤسسته من تنظيم سياسي، فكيف يعد السودانيين بتحرير دولة كاملة من الحرب؟

هذه هي العورة التي كشفتها السنوات الماضية.

ليست المشكلة أن الإسلاميين يريدون العودة؛ فمن الطبيعي أن تحاول جماعة فقدت السلطة استعادتها.

المشكلة أن باب العودة ظل مفتوحا.

والأخطر أن الرجل الواقف عند الباب هو قائد الجيش نفسه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع