الحلقة الأولى
في ستينيات القرن التاسع عشر، وقبل نحو ثلاثة عقود من قيام الدولة المهدية، مرّ الرحالة والمستكشف البريطاني صمويل وايت بيكر (Samuel White Baker) بمدينة القضارف، وكتب اسمها بالإنجليزية على النحو التالي ( Katariff ) ، وقد قدّم في كتابه المهم ” The Nile Tributaries of Abyssinia, and the Sword Hunters of the Hamran Arabs ” تفصيليًا نادرًا لسوق المدينة والتجارة ووالناس والعادات والحياة اليومية في تلك البلدة.
ولا يُقدِّم بيكر القضارف بوصفها مدينة كبيرة ذات عمران رسمي أو مؤسسات إدارية واضحة؛ بل تظهر في روايته بوصفها سوق ذات أهمية تجارية واسعة، تتجمع فيها جماعات بشرية من مناطق بعيدة، وتلتقي فيها تجارة العرب والتكرور والأحباش، على الطريق الذي يربط كسلا بالخرطوم. ويذكر صراحة أن القضارف كانت تُعرف أيضًا باسم ( Soog Abou Sinn ) سوق أبو سن.
الوصول إلى القضارف
كان بيكر قد وصل إلى المنطقة في سياق رحلته الاستكشافية، وكتب بعد أن غادر معسكره في كسلا باتجاه القضارف: ” امتطينا خيولنا، وبعد يومين بلغنا القضارف (كاتاراف)، التي كانت تبعد أقل قليلًا من ستين ميلًا”. وعند حلولنا بها، استقبلنا التاجر اليوناني، ميشيل جورجيس؛ ابن أخ الرجل اليوناني الذي استضافنا في كسلا. بحفاوة بالغة.
ولا يحدد بيكر في يومياته عدد الأيام التي أقامها في القضارف. لكن الثابت في نصه أنه غادر معسكره بكسلا في 22 نوفمبر، ووصل إلى القضارف بعد يومين تقريبًا، ثم مكث فيها المدة اللازمة لاستكمال أفراد بعثته وشراء حرية امرأة للعمل معه، ومراقبة السوق، وترتيب الرحلة، قبل أن يغادرها.
أكواخ من قش
يصف بيكر البلدة: ” كانت مكانًا بائسًا، تتكوّن من أكواخ العرب (البدو) المعتادة المصنوعة من الخشب والقش من أكثر العبارات أهمية في وصفه للعمران؛ فهو لا يذكر مباني حجرية بارزة، ولا سورًا، ولا منشآت حكومية، ولا أحياء بأسماء محددة، ولا مسجدًا أو قصرًا أو مقرًا إداريًا. كما أنه لا يذكر أسماء أحياء داخل البلدة، ولا يعطي عدد سكانها أو عدد بيوتها، ولا يحدد قبيلة بوصفها صاحبة المدينة.
بالمقابل، إذا كان عمران القضارف متواضعًا في نظر بيكر، فإن سوقها كان شيئًا آخر تمامًا. يقول: “كانت السوق، تُقام مرتين في الأسبوع، وكانت البلدة نفسها تُعرف أيضاً بـ “سوق أبو سن.
يقول: إنّ اجتماع الناس يوميّ السوق بالغ الأهمية، إذ يتجمع العرب من جميع القبائل، والتكرور، وبعض الحبشيين، الذين كانوا يأتون من نقاط بعيدة، وهكذا تبدو القضارف، في شهادة بيكر، نقطة التقاء بشرية وتجارية تتجاوز محيطها المباشر.
شارع من الأكشاك القشيِّة
يقدم بيكر وصفًا بصريًا دقيقًا للسوق، ” شارع يتكون من صفوف طويلة من الأكشاك المفتوحة المسقوفة بالقش، يبلغ ارتفاعها الةاحد منها نحو ستة أقدام. كان التجار يجلسون القرفصاء داخل هذه الأكشاك، ويعرضون بضائعهم أمامهم، على الأرض. وخارج الشارع الرئيس، كانت توجد مظلات مؤقتة من القش، وصفها بيكر بأنها ذات شكل مروحي، ويجلس تحتها باعة السلع المتنوعة. وكان إيجار هذه المظلة القشية الواحدة خمسة باراس (BARAS) في اليوم، وهو ما قدّره بيكر بنحو ربع بنس.
من المحرر والمترجم ” البارا”، وحدة نقدية صغيرة كانت مستخدمة في الدولة العثمانيةومصر في القرن التاسع عشر، وليس لها علاقة بالبر الإثيوبي”.
وبالعودة إلى سوق البلدة، فإن قائمة السلع المعروضة فيها، وتكشف عن سوقٍ ذات صلات تجارية خارجية، حيث كانت تباع في أكشاك القش بجانب المنتجات المحلية: ” الأقمشة والسلع القطنية القادمة من مانشسترفي إنجلترا، الزنجبيل، القرنفل، الفلفل الحار، الهيل، الفلفل، الكركم، جذر السوسن، الزعفران، خشب الصندل، المسك، مواد عطرية شبه طحلبية ذات رائحة تشبه الباتشولي، الكُحل والأثمدا لتزيين العينين والشفتين، الحناء، الخرز الزجاجي، الودع، أدوات إشعال النار، شفرات السيوف، المبارد، أمواس الحلاقة، المرايا الصغيرة، النعال (الشباشب)، الصنادل، حبال الإبل وأجراسها وسروجها، السمن (الزبد)، الدهون والشحوم، القرب الجلدية، الصمغ، الفاصوليا، الملح، السكر، القهوة.
ويذكر أن بعض السلع كانت تباع بكميات صغيرة جدًا، مقابل بارات وأنصاف قروش، أما أكثر الأكشاك عددًا، فهي تلك النتخصصة في بيع للفلفل الأحمر (الشطة) والخرز والعطور .
الحكواتي فوق الجمل
ومن أكثر مشاهد بيكر طرافةً في سوق القضارف حكّاء محترف، يقول: ” The object that draws a crowd around him is a professional story-teller ” أما الشخص الذي كان يحتذب حوله أكبر حشد من الناس، فقد كان حكواتياً محترفاًً يمتطي جملاً ومن على صهوته يخاطب جمهوره من ، فيثير ضحكات صاخبة. وقد رسم بيكر ملامحه هذا الحكّاء (الحكواتي)، كما يلي: “” عينان صغيرتان، جبهة بارزة، فم كبير، شفتان رقيقتان مضمومتان، وخدان غائران ذوا غمازات عميقة، مع الكثير من الجرأة والوقاحة”.
إنها شهادة نادرة واستثنائية قدمها بيكر والتقط خلالها جانبًا ترفيهيًا من الحياة العامة في سوق القضارف، بل في جميع المدن والقرى التي مر بها خلال رحلته لاكتشاف روافد النيل.
أسعار الإبل والماشية
لولا توثيق بيكر، لما تعرفنا على قوائم للاسعار في الزمن البعيد 1861- 1862، إذ يكشف الرجل عن أنّ متوسط سعر جمل الأمتعة نحو 12 دولارًا، أما الهجين وهو جمل سريع مخصص للركوب والسفر، فكان سعره يتراوح بين 30 و60 دولارًا. بالنسبة للأبقار، فإن سعر الثور السمين كان يترواح ما بين 6 و10 دولارات. أما الدولار في فقد كان يعادل أربعة شلنات.
تُقدّم الأرقام صورة عن اقتصاد السوق وأسعار الحيوان في تلك الفترة.
الأرض والحجر الجيري
لم يقتصر اهتمام بيكر على التجارة في القضارف فحسب، بل لفت الانتباه إلىوجود أصناف رمادية ممتازة من الحجر الجيري في محيط البلدة. كما وصف التربة بأنها ملائمة بصورة استثنائية لزراعة القطن، ورأى أن إنتاج القطن فيها يمكن أن يتوسع بدرجة كبير.
يجدر بالذكر، أنّ أزمة مياه الشُرب في القضارف تبدو أقدّم مما نتصور؛ فقد وصل بيكر البلدة الصغيرة آنذاك بعد انتهاء موسم الأمطار بشهرين، فوصف وضع القضارف المائي كما يلي: ” وكان الماء في موسم الجفاف شحيحًا، ولا يوجد إلّا في آبارٍ مُتباعدة، وكانت الماشية الموجودة في نطاق نحو عشرين ميلًا من أتبرا تُساق إلى النهر يومًا بعد يوم للشرب. وكانت الأبقار تتأثر بشدة؛ إذ يلاحظ بيكر أن إنتاج الحليب كان ينخفض أو ينقطع في خلال موسم أزمة المياه”.