للنمل في القرآن مقامٌ لا يليق بالصغار، رغم أنه مخلوقٌ ظلت تزدريه الأعين ويستهين به الناس، في وقتٍ أوقف الله عند صوته نبيًّا وملكًا، وأبقى له سورةً كاملةً تُتلى إلى قيام الساعة.
فحين قالت نملة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾، لم تكن تصرخ خوفًا على نفسها؛ كانت تحذّر جماعتها عندما رأت الجيشَ مقبلًا.
لم تبحث عن خصمٍ تنتقم منه، إنما عن قومها لتنقذهم.
والأجمل أنها قالت بإنصافٍ لجند سليمان: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. حتى في ذروة الخطر لم تُسقِط عن الآخر إنسانيته، إنما التمست له بعض عذر.
يا لها من نملة، كأنها تعرف منذ ذلك اليوم ما نحتاج نحن إلى قرونٍ من الحروب لنتعلمه: فعندما يقترب الخطر، لا تجعل جماعتك وقوده.
ثم انظر إلى عالم النمل الخاص؛ آلاف الخطى الصغيرة تنسج تحت التراب مجتمعًا كاملًا: هذه تحمل، وتلك تحفر، وثالثة تحرس، وأخرى تخزن.
لا أحد يملك المستعمرة وحده، ولا أحد ينجو خارجها طويلًا.
ولذا فإنها استحقت عن جدارةٍ قلادة شرف شاعرنا محجوب شريف الثورية، وهو يقول:
«ألا ما أشرف النملة
ألا ما أشرف النملة
وتبًّا للضمير لمن يصير خَمْلَة».
فالنملة الواحدة في حقيقتها ليست كيانًا مُفردًا كما تبدو صورتها لأول وهلة؛ إنها خليةٌ متكاملة في جسدٍ صغير، له قرون استشعارٍ دقيقة تلتقط رائحة الخطر، وربوّ الأرض واهتزازاتها، ورذاذ المطر، وتغيّرات المناخ، ونكهات الأمكنة.
كل ذلك يتم عبر نملةٍ واحدة تتصل بشبكة إشاراتٍ معقدة، تتحرك على إثرها أفواج النمل زرافاتٍ ووحدانًا.
المهم، هكذا ينبغي أن تكون أي أمةٍ حين ترى شبح خطرٍ قادمًا من بعيد: تسمع، تحذر، تحمي أهلها، وتغلق الطريق إلى الكارثة.
لكن السودان كثيرًا ما رأى مثل هذه الإشارة، فاختلف على تفسيرها، حتى صار الخطر يحدّق به إلى داخل البيوت.
ثم للنمل مخازن يجمع فيها أيام الخصب لأيام العسرة، ولذلك تبدو حكاية السودان القديمة مع النمل كأنها واحدة من أكبر صفحات التعدي والظلم.
ففي أواخر عهد نميري، عندما انحبس المطر وانهارت الوعود الخضراء، خرج الجائعون إلى أطراف القرى وحفروا بيوت النمل.
لم يبحثوا عن ثروة، بحثوا عن مجرد حبة.
أخرجوا الذرة والدخن من مخابئ كائنٍ صغير كان قد فعل ما لم تفعله الدولة كلها: استعدّ النمل بمخزونه الضئيل لغوائل الدهر، ولكن هيهات.
فمنذ ذلك الزمن جرت هذه القصة مجرى المثل: «يلمّها النمل ويطأها الفيل».
النمل الصغير يجمع بدأبٍ وفي صمت، والفيل الكبير يأتي بثقله كله ليقضي على أخضر النمل ويابسه.
حكايةٌ ما أشبهها بقصة السودان إلى يومنا هذا.
في هذه الحرب لم يعد الفيل مجازًا بعيدًا؛ فالمدافع هي أقدامه، والطائرات غير المأهولة ظلّه، وجيوش الأطراف تتنازع على أرضٍ لا يستطيع أهلها حتى أن يحفظوا فيها خبزهم.
تُحاصر المدن، وتُنهب المخازن، وتُحرق الأسواق، وتُقطع الأرزاق قبل الأعناق، وتُصادر الطرق والمزارع ومصادر المياه والمدارس والمستشفيات، حتى أصبح الطعام نفسه – أو كاد أن يكون – رهينةً بيد بعض المتحاربين.
في هذه الحرب لا يُقتل الإنسان بالسلاح وحده؛ قد يُقتل بما مُنع عنه من ماءٍ وفرص حياةٍ متساوية، وما نُهب من غذاء، وما أُغلق دونه من طريقٍ ومن أسباب رزقٍ أخرى.
وهنا يعود النمل، لا كحشرةٍ على هامش السيرة، لكن كمرآة.
هو يبني مخازنه لكي تحيا الجماعة كلها بعدل، وحرب السودان تهدم المخازن والبلاد لكي تستسلم الجماعة والبلاد.
أما النمل فإنه يحتمي بمساكنه على ضعفها، وحربنا تجعل مساكن البشر أهدافًا يُخبَز تحتها البشر.
النمل يرسل الإنذار حين يقترب الخطر، وحربنا تجعل الخطر علينا هو هدفها المباشر وعنوانها الأكبر.
النمل يجمع قومه، وحربنا تبعثرنا في كل وادٍ، تشتّت شملنا إلى قبائل وجهاتٍ وعصبيات.
كأن الحرب تفعل مع السودان عكس ما يفعله النمل بقومه تمامًا.
هنا بيوتٌ تفتح أبوابها للمرة الأخيرة، وأمهاتٌ يحملن الأطفال، ورجالٌ يمضون بلا وجهة، ومفاتيح تظل في الجيوب بعد أن يصبح البيت وراء صاحبه.
والنمل يستشعر في النهاية تغيّر المكان فيرحل، فيما الإنسان السوداني قد لا يغادر إلا بعد أن يتحوّل المكان إلى جحيمٍ أو إلى مقبرة.
وفي آخر هذا المشهد يأتي شاعرٌ آخر هو «حميد»، كأنه يخرج من تحت التراب ليخاطب السماء بقوله:
«يا الله، أنا الكادح إليك
طول الزمن
ما بوصلك من دون
وطن تديني ياه
ودام ماهو..
الله، الوطن،
يبقى الدرب واحد
مي يا؟».
النمل كادحٌ في الأرض، والشاعر كادحٌ إلى الله.
هذا يجمع الحبة، وذاك يجمع المحبة.
هذا يحمي جماعته من الشتاء، وذاك يسأل الله أن يهب وطنه صبر الأنبياء.
ثم تأتي تلك الأمنية التي تصلح أن تكون دعاء السودان كله:
«يا الله، وإن زالوا الرسل
ما زالوا منك أولياء
أقبلني واحدًا منهم
وألهمني صبر الأنبياء
على عالمي المجنون
يكون مسكون
محبة وحن ضياء
من ناسٍ شموش
تطرد ديوش الظلمة
والضر والرياء».
ترى ما الذي فعلته هذه الحرب اللعينة بنا؟ لقد أخرجت السودان من مملكة الجماعة إلى متاهة الفرد.
صار كل طرفٍ يحتمي بسلاحه، وكل جماعةٍ تخاف الجماعة الأخرى، حتى صار الوطن نفسه بيت نملٍ كبير تتناوشه الأقدار والأقدام.
رغم أن درس النمل ما زال هناك تحت التراب: لا حياة لفردٍ بلا جماعة، ولا نجاة لجماعةٍ بلا بيت، ولا بيت بلا قوت، ولا قوت بلا عمل، ولا عمل بلا إنذارٍ مبكر، ولا إنذار ينفع إذا لم نتحرك.
ربما لهذا كُرّم النمل في القرآن: كي نتذكر – ونحن نرى السودان يتحطم – أن أمةً أعظم واحدٍ فيها بحجم حبة قمحٍ صغيرة، عرفت كيف تحمي مساكنها من جيشٍ عابر، فمتى يعرف السودان كيف يحمي مساكنه من جيوشه نفسها؟
قيل: يلمّها النمل ويطأها الفيل، لكن النمل لا يزال يلمّ، والفيل لا يزال يطأ بلا رفقٍ ولا توقفٍ رغم الحرب.
ففي ذلك التراب الصغير ربما بقيت للسودان آخر وصية: اجمعوا ما تبقى، احموا ما تبقى، ولا تجعلوا الحرب تعلّمكم أن النجاة هي أن ينجو بعضكم من بعض.
ثم قالت لنا ذات النملة الحكيمة في آخر الدرس: يا أيها السودان، قم فانهض، والهرجَ فاهجر، ولا تأثم تستكبر، ولا تجبن تستدبر، ولا تحزن تستعبر، قبل أن ينتهي كل شيء.