مقالات

وصفة الخلاص

عمر الدقير

في أعقاب امتناعها عن إصدار تأشيرة دخول للبرهان لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وإعلانها أن طرفي الحرب وقيادتيهما لا يمثلون حكماً شرعياً دستورياً للسودان، جَدَّدت الولايات المتحدة طرح مقترحها لإنهاء الحرب، الذي يبدأ بهدنة لمدة تسعين يوماً – بآليات مراقبة أممية – لتمكين الاستجابة الإنسانية وتهيئة المناخ لعملية سياسية يقودها المدنيون.

وخلال مؤتمر صحفي – بعد حادثة التأشيرة وبيان الخارجية الأميركية بشأن الشرعية – أكَّد السيد محيي الدين سالم “الاستعداد للتعاطي الإيجابي” مع أميركا وغيرها في جهود إنهاء الحرب؛ وفي سياق متصل، أفضت جهود المبعوث الأممي هافيستو بشأن ملف المعتقلين وأسرى الحرب إلى تكوين لجنة من كلٍّ من القوات المسلحة والدعم السريع، وقد التقى فريقُه باللجنتين .. هذه تطورات ينبغي أن تفتح باباً للفعل المفيد، لا سجالاً جديداً تُبدَّد فيه فرصة عبور كارثة الحرب.

ندعو إلى اغتنام هذه الفرصة، ليس لأن المقترح جاء من الولايات المتحدة، بل لأن خيار إنهاء الحرب عبر مسار سلمي تفاوضي هو وصفة الخلاص؛ وأَوْلى بالسودانيين أن يَتبنَّوهُ بالأصالة عن أنفسهم، لمصلحة وطنهم.

المطلوب أن تُترجِم قيادة القوات المسلحة إعلان “الاستعداد للتعاطي الإيجابي” مع جهود إنهاء الحرب إلى موقف واضح بقبول الهدنة الإنسانية مدخلاً إلى الحل السلمي التفاوضي، وأن يواكب ذلك خطابٌ يُعلي خيار السلام.

وينطبق المطلب نفسه على قوات الدعم السريع؛ فقد تحدث قائدها قبل فترة عن “فك الرَّسَن” ونُقِل عنه قبل أيام قوله إن “الكلام كلام البندقية بعد الآن”، وعليه أن يتراجع عن هذا الخطاب ويعيد تأكيد الالتزام بالهدنة والحل التفاوضي.

ولا تقف المسؤولية عند قيادتي طرفي الحرب؛ فمن واجب السودانيين – بمختلف قواهم السياسية والمجتمعية – أن ينتبهوا لخطورة تصاعد حِدَّة الخطاب المتبادل بينهم، وما يشوبه من مفردات الكراهية والتجريح وازدراء الآخَر، على خلفية تباين مواقفهم واصطفافاتهم؛ وأن يكون الدفاع عن الآراء والمواقف بالحجة والمجادلة بالتي هي أحسن .. وعليهم أن يَعُوا حقيقة أنهم لا يملكون سوى وطنٍ واحد – هو هذا السودان – وألَّا خيار لهم غير التوافق على معنى العيش المشترك فيه؛ ولن يتم هذا التوافق بالقوة، وإنما عن طريق الحل السلمي التفاوضي.

ومن هنا، ينبغي أن يمسك السودانيون زمام المبادرة للمضي في هذا الطريق، على أن يكون الدور الخارجي مُيسِّراً وداعماً؛ فهم أدرى بشعاب أزمتهم، وبإرادتهم ـ لا إرادة سواهم ـ يُشَقُّ طريق الخروج منها.

لقد بلغت معاناة شعبنا ما يفوق طاقته على الاحتمال؛ وحان الوقت لأن يعلو واجب درء الكارثة عنه والحفاظ على وحدة الوطن والتوافق على أسس إعادة بنائه، على أية حسابات أخرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع