في كتابها الجديد “في أتون راء الحرب” الصادر عن دار المصورات للطباعة والنشر في أكتوبر الجاري، ضمن مشروع «مندي»، تفتح الدكتورة إشراقة مصطفى حامد نافذةً على واحدة من أكثر التجارب الإنسانية قسوةً في التاريخ السوداني المعاصر.
وعلى امتداد 288 صفحة من القطع المتوسط، تقدّم الكاتبة تجربةً إبداعيةً تمزج بين السرد والشعر، وتستعيد عبرها أثر الحرب التي اندلعت في السودان في 15 أبريل 2023، ليس كحدث عسكريًّ وسياسيًّ فحسب، لكنه أيضا يعد زلزالًا أصاب الذاكرة والوجدان والعلاقات الإنسانية، وترك ملايين السودانيين أمام أسئلة الفقد والنجاة والمنفى وإمكانية البدء من جديد.
إنه كتابٌ لا يكتفي بتسجيل فداحة الحرب، ولا يقف عند حدود رصد الخراب الذي خلّفته في البيوت والمدن والأرواح؛ بل يسعى إلى التقاط ما بقي في الإنسان من قدرة على الحب، وما تختزنه الذاكرة من طاقةٍ لمقاومة الانكسار، وما يمكن أن تمنحه الكتابة لمن وجدوا أنفسهم فجأةً في مواجهة مصائر لم يختاروها.
من هنا، تكتسب تجربة إشراقة خصوصيتها؛ فهي لا تكتب عن الحرب من مسافةٍ باردة، ولا تتعامل معها باعتبارها موضوعًا أدبيًّا قابلًا للمعالجة من الخارج. لقد عايشت القلق الذي فرضته الحرب، وتابعت امتداداتها الإنسانية بين النمسا ومصر وكينيا، حيث التقت أهلها وأصدقاءها في بلدان اللجوء. وبين هذه الجغرافيا المتباعدة، كانت المسافة أبعد من حدود الدول؛ إذ اتسعت لتشمل الفقد والحنين، والخوف على الوطن، والانشغال بمصائر الذين تركوا خلفهم بيوتًا وذكريات وحيوات كاملة.
من صدمة الحرب إلى طاقة الكتابة
في “في أتون راء الحرب” تتجاور النصوص السردية والشعرية لتشكّل فضاءً تعبيريًّا مفتوحًا على المشاعر المتناقضة التي تخلّفها الحرب في النفس البشرية. فثمة القلق الذي لا يعرف الاستقرار، والحزن الذي يستعصي على التفسير، والحنين إلى الأمكنة التي غدت بعيدةً أو مهدّدةً أو عصيّةً على العودة، إلى جانب الإصرار على ألا يكون الخراب الكلمة الأخيرة في الحكاية.
وتكمن أهمية هذا المزج بين السرد والشعر في أنه يتيح للكاتبة أن تقترب من التجربة الإنسانية عبر أكثر من مسار. فالسرد يمنح الوقائع والذكريات حركتها وتفاصيلها، بينما تتيح اللغة الشعرية التعبير عن المشاعر التي تعجز اللغة المباشرة أحيانًا عن احتوائها. وبين الشكلين، تتشكّل كتابةٌ تتجاوز التوثيق بمعناه التقليدي، من دون أن تتخلى عن مسؤوليتها تجاه الحقيقة الإنسانية للحرب.
إن الحرب، في مثل هذه التجارب، ليست فقط أصوات الرصاص وصور الدمار وأعداد القتلى والنازحين واللاجئين؛ إنها أيضًا ما يحدث داخل الإنسان حين يفقد شعوره بالأمان، وحين تتحوّل الأماكن المألوفة إلى مصادر للقلق، وتصبح الذاكرة ملاذًا موجعًا يستعيد فيه المرء ما كان يظن أنه ثابتٌ في حياته.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الكتاب بوصفه محاولةً لاستعادة الإنسان من بين ركام الوقائع. فخلف الإحصاءات التي تتناقلها الأخبار، ثمة حيواتٌ فردية، وأمهاتٌ ينتظرن أخبار أبنائهن، وأصدقاء فرّقتهم الطرق، وأسرٌ توزّعت بين البلدان، وأطفالٌ وجدوا أنفسهم أمام واقع لم يستعدّوا له. إن الكتابة عن هؤلاء ليست ترفًا أدبيًّا؛ إنها دفاعٌ عن حقهم في أن تُروى حكاياتهم، وألّا تختزل تجاربهم في توصيفات اللجوء والنزوح والفقد.
المرأة والذاكرة .. عبر مقاومة الانكسار
تحمل تجربة إشراقة مصطفى حامد أبعادًا تتجاوز الكتابة الإبداعية إلى انشغالها الطويل بقضايا المرأة وحقوق الإنسان وبناء السلام. ومن هذا التداخل بين التجربة الشخصية والوعي العام، تكتسب نصوصها حساسيةً خاصةً تجاه ما تصنعه الحروب في الأفراد والمجتمعات، ولا سيما النساء اللواتي يتحمّلن أعباءً مضاعفةً في أزمنة النزاعات، بين فقدان الاستقرار، ورعاية الأسرة، ومواجهة العنف، والبحث عن سبل العيش والنجاة.
فالمرأة في سياقات الحرب ليست مجرد ضحيةٍ تنتظر الإنصاف، لكنها بطبيعة الحال، تظل فاعلةٌ في حماية الحياة وإعادة بناء العلاقات الاجتماعية، ومقاومة التفكك، وصناعة مساحاتٍ صغيرة للأمل وسط واقعٍ يتّسع فيه الخوف. ومن ثمّ، فإن الاحتفاء بكتابة إشراقة لا ينفصل عن الاحتفاء بهذا الدور الإنساني، ولا عن الإقرار بأهمية الأصوات النسائية التي تكتب الحرب من داخل التجربة، وتمنح تفاصيلها ما تستحقه من انتباهٍ وعمق.
لكن ما يمنح هذه الكتابة أفقها الأوسع هو أنها لا تجعل الألم غايةً في ذاته، ولا تستسلم لإغراء تحويل المأساة إلى خطابٍ مغلق على الحزن. ففي قلب التجربة، تبرز إمكانية تحويل الصدمة إلى معرفة، والذاكرة إلى طاقةٍ للمقاومة، والكتابة إلى وسيلةٍ لاستعادة التوازن، أو على الأقل إلى محاولةٍ جادة لانتزاع المعنى من قلب الفوضى.
إن التعافي، في هذا السياق، لا يعني نسيان ما حدث، ولا تجاوز الخسارات بقرارٍ فرديّ، ولا الادّعاء بأن الجراح قد التأمت. إنه مسارٌ طويل يبدأ بالاعتراف بالألم، ويفتح المجال أمام الإنسان كي يعيد ترتيب علاقته بنفسه وبالآخرين وبالعالم. والكتابة، بما تتيحه من استعادةٍ وتأملٍ ومشاركة، يمكن أن تصبح إحدى الوسائل التي تساعد على اجتياز هذا المسار، من دون أن تدّعي امتلاك وصفةٍ جاهزة للنجاة.
من المنفى إلى سؤال الوطن
تمنح الجغرافيا المتعددة التي تتحرك بينها تجربة الكاتبة بُعدًا إضافيًّا؛ فالنمسا ومصر وكينيا ليست مجرد محطاتٍ في مسار التنقل، بل فضاءاتٌ تتقاطع فيها تجارب السودانيين الذين دفعتهم الحرب إلى البحث عن الأمان بعيدًا عن بيوتهم. وفي هذه المساحات، تتجاور حكايات الوافدين الجدد مع تجارب من سبقوهم إلى المنفى، وتلتقي أسئلة الاندماج والهوية مع القلق المستمر على الوطن وأهله.
غير أن الإقامة خارج السودان لا تعني بالضرورة الانفصال عنه؛ فقد تزداد صلة الإنسان بوطنه إلحاحًا حين يصبح بعيدًا عنه، ويغدو السؤال عن مصيره جزءًا من تفاصيل يومه.
وتكشف تجربة إشراقة عن هذا التوتر الإنساني بين المكان الذي يعيش فيه المرء والمكان الذي يسكنه في الذاكرة، بين ضرورة مواصلة الحياة في الحاضر وعجز الروح عن تجاهل ما يجري في الوطن.
ومن هنا، لا يبدو اللجوء في أفق الكتاب مجرد انتقالٍ جغرافي من مكانٍ إلى آخر، إنه للحقيقة تجربةً تعيد تشكيل العلاقة بالذات وبالآخر وبفكرة الانتماء. فالإنسان الذي يغادر وطنه تحت ضغط الحرب لا يحمل حقيبةً من الأمتعة وحدها؛ إنه يحمل أيضًا لغته وذكرياته وصوره العائلية وأسئلته التي لا تجد إجاباتٍ سهلة.
وفي هذا المعنى، تتجاوز الكتابة حدود التجربة الفردية للكاتبة ، لتلامس تجربةً سودانيةً واسعة، يعيشها ملايين الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة النزوح واللجوء، وتفرّقت عائلاتهم بين مدن السودان وبلدان العالم. إنها كتابةٌ تمنح هذه التجربة صوتًا، وتقاوم اختزالها في أرقامٍ وتقاريرَ عابرة، وتعيد الاعتبار إلى ما فيها من تعقيدٍ إنساني ووجداني.
إشراقة مصطفي ..سيرةٌ بين الإبداع والمعرفة
تأتي “في أتون راء الحرب” امتدادًا لمسيرةٍ إبداعية وفكرية متنوّعة، تجمع فيها إشراقة مصطفى حامد بين الشعر والكتابة والترجمة والعمل الأكاديمي والنشاط الحقوقي. وهي كاتبةٌ ومترجمةٌ وأستاذةٌ جامعيةٌ وشاعرةٌ سودانية، تقيم في النمسا منذ تسعينيات القرن الماضي، وظلّت حاضرةً في قضايا المرأة والمهاجرات الأفريقيات والتفاعل الثقافي بين النساء، إلى جانب انشغالها بحقوق المرأة السودانية، ولا سيما المرأة السوداء في بلدان المهجر.
حصلت على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة فيينا عام 2006، ومثّلت الأدب العربي ضمن برنامج «القلم النمساوي» ابتداءً من سبتمبر 2015. وتتحدث العربية والإنجليزية والألمانية، وتكتب بالعربية والألمانية، وهو ما أتاح لتجربتها أن تتحرك بين فضاءات لغوية وثقافية مختلفة، وأن تنفتح على جمهورٍ أوسع من القراء.
وفي رصيدها عددٌ من المجموعات الشعرية والأعمال الأدبية، من بينها «أحزان شاهقة»، الصادرة بالعربية عام 2003، و«ومع ذلك أغني»، الصادرة بالألمانية في العام نفسه، و«أنتِ المزامير»، الصادرة بالعربية والألمانية عن دار ميريت في مصر عام 2009، و«وجوه الدانوب»، التي تضم شعرًا ونثرًا بالألمانية، وصدرت عن دار لوكر النمساوية عام 2014، إلى جانب «أنثى الأنهار.. من سيرة الجرح والملح والعزيمة»، الصادرة بالعربية عن دار النسيم في القاهرة عام 2015.
كما شاركت في نحو خمسة عشر أنطولوجيا أدبية باللغة الألمانية منذ عام 1995، وواصلت الكتابة والنشر في مجلة «التضامن النسوي» النمساوية، المعنية بقضايا التفاعل الثقافي بين النساء في بلدان الجنوب، منذ عام 1997، فضلًا عن أعمالها في الترجمة.
وتكشف هذه المسيرة عن تجربةٍ لا تفصل بين الإبداع والانشغال بقضايا المجتمع، ولا تنظر إلى الأدب باعتباره نشاطًا معزولًا عن التحولات السياسية والإنسانية. فالشعر، في هذا المسار، ليس نقيضًا للمعرفة، والكتابة ليست بديلًا من الفعل العام؛ بل يمكن لهذه المسارات أن تتكامل في بناء رؤيةٍ أكثر حساسيةً تجاه الإنسان وحقوقه وكرامته.
كتابٌ يحتفي بالحياة في مواجهة الحرب
إن صدور «في أتون راء الحرب» ليس مناسبةً للاحتفاء بعملٍ أدبي جديد فحسب، بل فرصةٌ للتوقف أمام الدور الذي تستطيع الكتابة أن تؤديه في لحظات الانهيار الجماعي. فحين تتراجع قدرة المجتمع على حماية أفراده، وتصبح الحياة اليومية مثقلةً بالخوف والفقد، تظل الكتابة مساحةً لحفظ الذاكرة، ومساءلة العنف، وإعادة الاعتبار إلى الإنسان الذي تحاول الحرب أن تسلبه صوته.
وتكمن القيمة الاحتفائية لهذا الكتاب في أنه يفتح بابًا آخر للنظر إلى المأساة السودانية: بابًا لا ينكر الخراب، لكنه يرفض أن يجعل الخراب تعريفًا نهائيًّا للحياة. فمن خلال السرد والشعر، تستعيد إشراقة مصطفى حامد حق الإنسان في التعبير عن ألمه، وفي البحث عن لغةٍ تساعده على فهم ما جرى، وفي التمسك بإمكانية أن تكون الحياة أكثر من مجرد محاولةٍ يومية للنجاة.
إنها دعوةٌ إلى الإصغاء لما تتركه الحرب في الأرواح، وإلى الاعتراف بأن التعافي لا يتحقق بالصمت أو النسيان، إنما يحتاج في أبسط تجلياته إلى الذاكرة والحوار والعدالة والتضامن. وهي، في الوقت نفسه، تذكيرٌ بأن بناء السلام لا يبدأ فقط عند توقيع الاتفاقات، يبدأ أيضًا حين يستعيد الناس قدرتهم على رؤية بعضهم بعضًا بوصفهم بشرًا، وحين يجد الألم لغةً مشتركةً بدلًا من أن يتحوّل إلى وقودٍ لمزيدٍ من الكراهية.
هكذا يأتي «في أتون راء الحرب» إضافةً إلى المكتبة السودانية التي تحاول أن تكتب تجربة الحرب من داخل جراحها وأسئلتها، وأن تحفظ للأجيال المقبلة شهاداتٍ عن زمنٍ قاسٍ لم يكن الخراب فيه ماديًّا وحده. ومن خلال هذا العمل، تواصل إشراقة مصطفى حامد مشروعها الإبداعي والإنساني، مؤكدةً أن الكتابة، وإن لم تستطع إيقاف الرصاص، تستطيع أن تحمي الذاكرة من المحو، وأن تمنح الحب فرصةً للبقاء، وأن تذكّرنا بأن الإنسان قادرٌ على البحث عن الحياة حتى وهو يقف في قلب المأساة.