الدوحة – مشاوير : مجدي علي
في بيروت التي أنهكتها الأزمات، يمشي عثمان بلا أوراق، كأن اسمه لا يكفي ليُصدَّق. شاب سوداني يحمل من الحرب ما لا تتسع له الحقائب، ويبحث عن سقف وعن اعتراف. وحين يلتقي سوزان، الأرملة الفلسطينية التي تكبره بأكثر من ضعف عمره، لا تبدأ قصة حب عادية، بل محاكمة صامتة تعقدها العيون: لماذا هو؟ ولماذا هي؟ ومن يجرؤ على الحب في عالم يوزّع الخوف بالمجان؟
هذا هو فيلم (لمن يجرؤ) للمخرجة اللبنانية دانيال عربيد، يعبر إلى المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة في مهرجان الجونة السينمائي (15 إلى 23 أكتوبر الجاري)، بعد عرضه العالمي الأول في افتتاح قسم (بانوراما) بمهرجان برلين في دورته السادسة والسبعين. ويحضر هناك سفيراً غير مُعلن لأوجاع السودانيين، في غياب سينما سودانية تحمل أسئلتهم إلى الشاشات الكبرى؛ فتتكفّل كاميرا لبنانية بما لم تتكفّل به كاميرا بلدهم، وسط أفلام عربية تنشغل بالحرب والنزوح وانهيار الأحوال.

لا يرفع الفيلم شعار العنصرية، بل يتركها تتسلّل إلى تفاصيل العلاقة كما تتسلّل إلى الحياة: نظرة، حكم مسبق، هوية تسبق صاحبها فتختزله في أصله ووضعه القانوني، فيغدو الاختلاف بينهما امتحاناً لقدرة المشاعر على الاستمرار. وترى عربيد، التي تعيش بين لبنان وفرنسا، أن الخوف من الآخر ظاهرة عالمية لا تخص مجتمعاً بعينه. وخلف عثمان يقف آلاف الشباب السودانيين الذين لم تعد الهجرة عندهم طموحاً، بل منفذاً من أفق ضاق، ووجهة قد لا تضمن لهم أماناً ولا قبولاً، وهشاشة قانونية تثقل أيامهم اليومية.
وللظروف حكايتها أيضاً. كان التصوير مقرّراً في شوارع بيروت، لكن القصف الإسرائيلي أغلقها. فأرسلت المخرجة فريقاً يلتقط المدينة وبيوتها خالية من ناسها، ثم أعادت توظيف اللقطات في استوديو قرب باريس بتقنية الإسقاط الخلفي، فجاءت بيروت طيفاً يحيط بالشخصيتين ويضاعف إحساس العزلة والترقّب.

المشروع استغرق سنوات حتى وجد طريقه إلى التنفيذ، بميزانية بين 600 و700 ألف يورو، رأت عربيد أن شحّها حرّرها من شباك التذاكر ومنحها جرأة التجريب، مستفيدة من خبرتها في فن الفيديو آرت.
يؤدي الدورين أمين بن رشيد وهيام عباس، في فيلم ناطق بالعربية مدته 99 دقيقة، إنتاج مشترك بين فرنسا ولبنان وقطر. وتستند عباس إلى تعاون قديم مع المخرجة منذ أواخر التسعينيات، وإلى بلاغة الصمت في نظراتها، أما بن رشيد فاختارته بعد اختبارات أداء وبروفات بنت الانسجام بين الممثلين، حتى يصدّق المشاهد العلاقة بين شخصيتيهما.
ومن برلين إلى الجونة، يواصل عثمان رحلته طالباً شيئاً بسيطاً وعسيراً: أن يُروى إنساناً قبل أن يُعرَّف مهاجراً.
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع