ليس صدفةً أن يتكرر، خلال أربعة أشهر فقط، مشهدُ استهداف المعدّنين السودانيين العُزَّل، أولئك البسطاء الذين يفتشون في باطن الأرض عن فتات رزق، ليجدوا أنفسهم تحت وابل نيران كثيفة لا تميّز بين قوي وضعيف، ولا بين مقاتل وإنسان لا يحمل في منجمه سوى حاجته إلى العيش والحياة.
حين يتكرر المشهد، لا تعود المسألة مجرد حادثة عابرة؛ إنما يصبح التكرار نفسه إشارةً تستوجب السؤال: ماذا ترى القاهرة، وماذا لا ترى؟ أعجز عقلها السياسي عن إدراك عواقب أفعالها، أم أنها قد فقدت أعصابها عندما استعصى الواقع على إرادتها؟
ويزداد السؤال خطورةً مع وجود إشارات لضلوع مصر في دعم استخدام الجيش للسلاح الكيميائي في الحرب؛ وهي اتهامات قد تنقل المسألة من حدود التدخل السياسي والعسكري إلى تخوم المسؤولية عن جرائم دولية بالغة الخطورة.
وللحقيقة، فإنه ليس ثمة أخطر على دولة من أن تتوهم أن فائض قوتها قد يعفيها من مساءلة الضمير والأخلاق والتاريخ.
لكن المسألة، في تقديري، أعمق من مجرد قراءة لهذه النيران المشتعلة على أرض السودان؛ إنها تتصل كذلك بما يمكن أن نسميه «العمى الاستراتيجي»: أن تمتلك دولة ما من أدوات القوة ما يكفي لإيذاء جيرانها، لكنها تفتقر في ذات الوقت إلى البصيرة التي تمكّنها من إدراك ما يمكن أن تصنعه أفعالها تلك بها في المستقبل، وما توقظه في نفوس اولئك الجيران، وما تستدعيه من عواقب تتجاوز حساباتها المباشرة.
ففي العلوم العسكرية، لا تُقاس كفاءة الجيوش بكثافة نيرانها وحدها، ولا بوفرة عتادها، بل كذلك بسلامة منظومات القيادة والسيطرة والاتصال، ودقة التقاط الإشارات، وسرعة تحويلها إلى معرفة وقرار.
فالإشارة هي الجهاز العصبي للمعركة؛ بها تُقرأ حركة الخصم، وتُستشعر المباغتة، ويُفصل بها بين ما يحدث وما يُوشك أن يحدث.
وبالتالي، حين تتعطل هذه المنظومة، لا تنقص القوة المادية بالضرورة، لكن هذه القوة تفقد بوصلتها وعقلها الذي يهديها. عندها قد يصبح فائض السلاح وجهًا آخر للعجز، وتغدو كثافة النيران ستارًا يحجب حقيقة هزيمة آتية لا محالة.
عمومًا، إذا كان هذا شأن الميدان العسكري، فإن الميدان الأوسع، حيث تتصارع الأفكار والسياسات وتتحول المجتمعات، قد يغدو هو كذلك مضمارًا أشد احتياجًا إلى سلاح من نوع آخر هو أيضًا: سلاح إشارة.
هنا نغادر المصطلح العسكري إلى أفق آخر يرى أن الوقائع لا تستنفد معناها في ظاهرها، وأن الحدث قد يكون أكثر من نفسه، وأن ما يبدو تفصيلاً هامشيًا في حسابات السياسة قد يحمل، في باطنه، نذير تحول كبير.
ليست المسألة أن نقرأ ما بين السطور فحسب؛ فهذه القراءة، على أهميتها، تظل أسيرة النص وسياقه المباشر، تحاول استخراج المسكوت عنه من وراء العبارة.
أما سلاح الإشارة الذي أقصده فيذهب أبعد من ذلك: إنه يقرأ العلاقة بين الواقعة ومآلاتها، وبين الفعل والسنن التي تحكم عواقبه، وبين ما تفعله القوة اليوم وما قد يرتد عليها غدًا.
إنه انتقال من سؤال: ماذا حدث؟ إلى سؤال أشد عمقًا: ماذا تقول لنا هذه الواقعة؟ وإلى أين تشير؟ وما دلالاتها؟
فالإشارة، بهذا المعنى، ليست زينة بلاغية، ولا لعبة رمزية تُمارَس في فراغ الذهن؛ إنها إنذار مبكر يوقظ البصيرة قبل أن تستيقظ الكارثة، التي قد تأتي في صورة حادثة تتكرر، أو موقف يتصلب، أو صمت يشي بالتواطؤ، أو خطاب يزداد ضجيجًا كلما افتقر إلى الحقيقة.
كما أن هذه الإشارة قد تتخفى في ملمح صغير ربما لا تلتفت إليه العيون المنشغلة بسطح الحدث، فيما يكون المستقبل قد أرسل، عبرها، أول رسائله.
فالسنن لا تبدأ يوم تنفجر نتائجها؛ إنها تعمل في الخفاء قبل أن تظهر بكلياتها في العلن. والانهيارات الكبرى لا تهبط، في الغالب، من سماء بلا مقدمات؛ بل قد تسبقها في العادة ثقوب صغيرة، وعلامات متفرقة، واختلالات يطول تجاهلها حتى تتصل ببعضها، فإذا بها ترسم في النهاية صورة مصير كامل.
من هنا تتجلى الحسرة التي يوقظها قوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
فالحسرة ليست دائمًا في غياب الرسالة، إنما قد تكون في حضورها وعدم الإصغاء إليها؛ في أن تطرق الحقيقة أبواب الوعي فيردّها الاستكبار، وأن تلوح أمارات الخطر فتبتلعها نشوة القوة، وأن تتقدم العواقب نحو أصحاب القرار فيما يواصلون هم التصرف كأن التاريخ لا ذاكرة له، وكأن الأفعال لا ترتد على فاعليها.
وهنا مكمن الجناية: أن يُساء فهم التحذير لأنه جاء في هيئة لا تشبه ما اعتاده العقل من توهم، وأن يُستهان بالإشارة لأنها لم تبلغ بعدُ عنفوان الكارثة.
إن سلاح الإشارة المقصود يعمل، في تقديري، عبر مسارين متكاملين.
أولهما: الاستشعار المبكر؛ أي التقاط البذرة قبل أن تصبح شجرة، والصدع قبل أن يصبح هاوية، ورصد نطفة السقوط أو النهوض وهي لا تزال في رحم الاحتمال.
إنه تدريب للوعي على رؤية المآلات في بداياتها، لا انتظارها حتى تستحيل وقائع دامية لا ينفع معها الندم.
وثانيهما: فكّ شفرات الخطاب المهيمن؛ فالقوى التي تريد احتكار الحقيقة لا تكتفي بفرض وقائعها على الأرض، لكنها تصنع حولها غلافًا كثيفًا من التبرير والشعارات، وتدفع الجمهور إلى رؤية ما تريد له أن يراه، لا ما يجري بالفعل.
وهنا تصبح مهمتنا اختراق هذا الغلاف، وردّ العبارة إلى حقيقتها، والفعل إلى دلالته، والواقعة إلى ما تنطوي عليه من إمكانات وعواقب.
ومن هذه الزاوية سنعود إلى القاهرة.
لإن السؤال ليس إن كانت مصر قادرة على إلحاق الأذى بالضعفاء؛ فالقوة العسكرية قادرة على ذلك بدرجات متفاوتة. لكن السؤال هو: هل تستطيع القاهرة أن ترى أبعد من لحظة إطلاق النار؟ هل تدرك أن السودان ليس مجرد ساحة تتقاطع فيها المصالح لتصبح خطوطًا حمراء، ولا أن إنسانه طارئ قابل للمحو من خرائط الوجود؟ وهل تنتبه إلى أن استباحة الضعفاء لا تصنع أمنًا دائمًا، وأن إيلام الجار قد يترك في ذاكرته جرحًا أطول عمرًا من المكاسب التي جرى تحصيلها؟
على أية حال، فإن الجغرافيا قد تفرض الجوار، لكنها لا تضمن المودة، والقوة قد تفرض الصمت، لكنها لا تشتري الثقة.
وما لا تدركه السياسة في لحظة الغلبة قد يدركه التاريخ بعد فوات الأوان.
لهذا، فإن تكرار استهداف المعدّنين العُزَّل لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه حادثًا أمنيًا فحسب، بل بوصفه اختبارًا لبصيرة القرار، ولمعنى الجوار، ولحدود القوة حين تنفصل عن الحكمة.
وكذلك فإن أي تورط لمصر في استخدام السلاح الكيميائي لن يكون مجرد حدث عارض في حرب السودان، إنما سابقة تصبح علامة فارقة تستوجب مساءلة قانونية وأخلاقية لا يجوز أن تحجبها حسابات السياسة ولو إلي حين.
تُرى هل فقدت القاهرة عقلها أو بصرها، أم أعصابها؟ أم أنها لم تعد تسمع ما تقوله لها إشارات أفعالها؟
ربما كان هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق السؤال عن نتائج الصراعات والمعارك.
فنحن لا نحتاج إلى سلاح إشارة يسجل الخرائب بعد وقوعها، لكن إلى سلاح نرى به في الواقعة ذاتها بذرة مآلها، وفي الفعل ظله المقبل، وفي صمت اليوم صرخة الغد.
فالأمم لا تسقط حين تنفد أسلحتها؛ لكن قد تبدأ عثرتها الكبرى حين تنفد قدرتها على الفهم، وعندما تتشابه عليها البقر.
فحين تفقد القوة آذانها التي تسمع بها إشارات التاريخ، قد تظل عيناها مفتوحتين على العالم، فيما تكون قد دخلت هي بالفعل، من حيث لا تدري، في عتمة العمى الاستراتيجي.