نحن في الإعلام مقصرون في كثير من القضايا، ونمر عليها مرور الكرام وهي تستوجب منا اهتماماً أكبر؛ فهنالك قضايا مصيرية يجب أن تكون لها الأولوية، خاصة إذا كانت هذه القضايا الانتصارُ فيها كفيلاً بأن يخرجنا وينتشلنا من هذا الفشل.
غياب المؤسسات الإعلامية يجعلنا نمارس الإعلام كهواية، لذلك فإن علاقتنا بالقضايا القومية قد تكون ضعيفة. الإعلام الآن عبارة عن إعلام فردي، وهذا أمر يهدد المهنية والاحترافية؛ لذا عليكم أن تجدوا لنا العذر في هذا التقصير وفي إغفال الكثير من القضايا الحيوية.
مفهوم الوطنية نفسه تم تحويره، فقد تاجروا حتى في ذلك المفهوم.
الفساد الذي تعاني منه البلاد هو الذي قادنا إلى ما نحن فيه الآن، ولكي ننتصر في هذه الحرب ونتغلب على آثارها، يجب أن ننتصر على الفساد.
لا يكفي الانتصار في الحرب، فهذه ليست النهاية السعيدة؛ النهاية السعيدة هي أن ننتصر كذلك على آثار الحرب.
يمكن أن تنتهي الحرب وأن يعود الوطن إلى ما كان عليه قبلها، ولكن ذلك لا يعني أننا حققنا الانتصار؛ نحن في حاجة إلى أن ننتصر على أنفسنا، وفي حاجة إلى أن نقدم الوطن على كل أولوياتنا، وإلا ظلت الحرب وأبقتنا على ما نحن فيه، حتى وإن انتهت وعاد الناس إلى بيوتهم.
الخطر الذي يواجهنا ليس العدو فحسب، فهنالك ما هو أخطر من ذلك.. علينا أن نواجه أنفسنا أولاً، فالكثير من الخراب والسلبيات يبدأ إصلاحها من أنفسنا.
نحن كسودانيين لدينا صفات حميدة كثيرة لا تحصى ولا تعد، ولكن أيضاً لدينا مشاكل كبيرة؛ ربما يكون من بينها إحساسنا الزائد بمحاسننا وإيجابياتنا.
مشكلة واحدة كبيرة يمكن أن تقضي على كل محاسننا.
هذا الوطن نحن من جنينا عليه؛ وقبل أن نحاسب الآخرين علينا أن نحاسب أنفسنا، ومحاسبة النفس أصعب من محاسبة العدو.
نعترف بأن طبيعة الوسائل الحديثة في الإعلام وفي تداول القضايا والتفاعل معها أعطت الأسبقية والأولوية لقضايا هامشية وثانوية، وذلك لأن “التريند” أصبح يتحقق بعيداً عن الفكرة والعمق؛ وأصبحنا بطبيعة الحال لا ننظر إلى الأهداف البعيدة، ولم نعد نمتلك صبراً للانتظار أو لأن نزرع حتى نحصد، بل أصبحنا نبحث عن الحصاد قبل أن نزرع.
نريد أن نحصد دون أن نزرع، وهذه هي مشكلتنا الحقيقية.
من أكبر أزماتنا أننا أصبحنا نبحث عن الأسهل… نريد أن نحقق الانتصار الأسهل والأسرع، ونسعى دائماً للأهداف السريعة والسهلة والقريبة والجاهزة… نريد كل شيء بالسهل، لا نريد أن ندفع الثمن، ولا نريد أن نتعب، ولا نريد أن نجتهد أو نعرق، ولا نريد أن نعمل شيئاً للمستقبل.
المشكلة أن الدولة رسخت فينا هذه المفاهيم، وتلك السلبيات أصبحت فينا طبيعة، وباتت من أعرافنا وتقاليدنا… أصبحت تربية لدينا وثقافة عامة.
في العالم كله، المؤسسات التطوعية التي تهتم بأعمال الخير أو تنشط في مجالات الترفيه هي الأكثر مراقبة؛ لأن الفساد في تلك المؤسسات سهل وميسر.
اتحاد كرة القدم السوداني مؤسسة رياضية كبرى، استغل قادته مناصبهم وأموال الاتحاد ونشاطه في أعمالهم الخاصة.
أعضاء الاتحاد السوداني لكرة القدم لا يهمهم شيء غير كراسيهم وسفرياتهم وحوافزهم ونثرياتهم.
أموال طائلة تدخل اتحاد كرة القدم، لا أحد يسأل كيف دخلت؟ ولا أحد يسأل كيف صرفت؟ لذلك هم يفعلون فيها ما يشاؤون.
والأنكى من ذلك أنهم تجاوزوا الفساد المالي، وأصبح السباق يتم على مزايدات في الفساد الإداري.
المنافسة الرياضية تحولت إلى موازنات داخلية وقرارات إدارية؛ أندية تتأهل للممتاز بدون منافسة، وبطل يتوج دون أن ينتصر، وأندية تبقى في الممتاز بدون وجه حق، وكل ذلك من أجل أن يتقوا شرها؛ مجالس إدارات الاتحادات والأندية أصبحت تشكل من أجل أن يضمنوا بذلك التشكيل ولاءها، ولجان تتكون من أجل أن يكسبوا دعمها وودها، ومناصب توزع وحوافز تمنح من أجل الهدف نفسه.
وفي المقابل، هنالك جهات تحارب وتقصى وتبعد لمجرد أن لها موقفا.
نادي ود نوباوي ونادي الزومة وقبلهما نادي الموردة أبعدوا من الممتاز حتى يتقوا شرهم.
لقد عاقبوهم على مواقفهم؛ في السودان إذا أردت أن تعيش فعليك أن تكون بلا موقف. الذين يطبلون ويصفقون ويهتفون ويرقصون هم من يكسبون في السودان، وهذا شيء نعيشه في كافة المجالات من قمة الهرم وحتى القاع.
لو عاوز تعيش قول : نعم .. لا كلفتها باهظة.
قمة الهرم الرياضي لكي تبقى في القمة أفسدت القاعدة، وهم جميعاً شركاء في الفساد؛ لذلك لا توجد محاسبة ولا يوجد قانون.
المشكلة أن الدولة تنظر إلى هذا الفساد ولا تتدخل لإيقافه، ربما تقصد أن تشغل الناس في مثل هذه الصراعات، وترمي لهم هذا الطعم حتى ينعموا هم بالطعم الأكبر… الدولة لا تعلم أن الانتصار في الحرب يتحقق من خلال القضاء على الفساد وتثبيت أركان العدالة.
إذا كان هذا يحدث في الرياضة التي تعتبر نشاطاً أهلياً وترفيهياً وتتمتع بقدر من الحريات وفيها شيء من الممارسة الديمقراطية، فكيف يكون الوضع في المؤسسات الأخرى، وفي أنشطة هي بطبيعة الحال تحدث في الخفاء؟
من بين مشاكلنا أننا ما زلنا ننظر إلى الرياضة كنشاط ترفيهي، وهي إلى جانب أنها نشاط اجتماعي وثقافي وصحي، تعتبر صناعة واستثماراً. الرياضة أضحت هي السلاح الأخطر في العالم، ومع ذلك فإن الدولة عندنا عندما يتحقق انتصار ترد على ذلك الانتصار بتوفير طائرة خاصة من مجلس السيادة حتى يعلنوا عن وجودهم، وهم في الحقيقة يفعلون ذلك من أجل التكسب من الانتصار واستغلاله في الإعلان عن أنفسهم.
الدول الأفريقية من حولنا تتقدم؛ دولة جنوب السودان التي نالت استقلالها قبل 15 سنة أصبحت تملك ملاعب أفضل من الدولة الأم التي استقلت قبل 70 عاماً.. الدولة التي كانت من بين ثلاث دول في القارة كونت الاتحاد الأفريقي وأسسته، لا تملك ملعباً واحداً مؤهلاً، وأول بطولة للأمم الأفريقية نظمت في الخرطوم. دولة جنوب السودان وصل منتخبها في كرة السلة إلى نهائيات كأس العالم، وفاز منتخبها للناشئين في كرة القدم على منتخبنا الوطني… نحن نثني على دولة جنوب السودان الشقيقة ونرجو أن نحذو حذوها.
في تنزانيا ورواندا ويوغندا وكينيا أصبحت الملاعب مؤهلة لتنظيم أكبر البطولات القارية، ونحن في السودان لا نملك ملعباً لاستقبال مباراة دولية واحدة؛ هذا الوضع لم تفرزه الحرب، هذا الوضع هو حالنا حتى قبل الحرب وهو حالنا بعدها.
أين الدولة من ذلك؟ ولماذا لا يحدث تأهيل لملاعبنا؟ سوف تقولون البلاد في حالة حرب والدولة لا تملك ميزانية أو رفاهية لذلك، ونحن نقول: وكيف ننتصر في الحرب وننهض بالوطن إذا لم يكن هنالك اهتمام بالبنية التحتية والثقافة والرياضة، وقبل ذلك بالعلم والصحة؟
وإن كانت الدولة يرهقها ذلك، فنحن لا نريد منها غير المراقبة والمحاسبة وإيقاف الفساد.
إني أسأل نفسي كثيراً وأقول لها: هل هؤلاء البشر سودانيون؟
هل الذين يشغلون مناصب رفيعة في اتحاد كرة القدم وفي غيره لديهم إحساس بهذا الوطن؟ هل يمتلكون ذرة من ذلك الإحساس؟
هل يعرفون شيئاً اسمه الخجل؟ من أين جاء هؤلاء؟
هل سنظل ندور حول مجدي شمس الدين ومعتصم جعفر وأسامة عطا المنان كل هذه السنوات، مع كل هذا الخراب الذي يحدث في الرياضة؟
هل لا نملك أكثر من أن ننتج رياضياً شخصيات هشة وكرتونية، لا تملك المؤهلات ولا تملك حتى الإحساس بالوطن؟
هم يخلو من الوطنية.
هل يعقل أن يعجز السودان عن أن يقدم للرياضة إلا الدخيري وسيف الكاملين الذي رفضه حتى أهله وأنديته في مدينة الكاملين العظيمة؟
هل سنظل ندور حول الشخصيات الفاشلة نفسها لننتج الفشل نفسه؟
وسط كل هذه الأنقاض والأزمات والخراب تبقى هنالك بادرة أمل، ويبقى في آخر النفق ضوء يمثله فريق ود نوباوي الذي يحارب كل هذه الكتل الخبيثة وحده.
نادي ود نوباوي، في بلد يغيب فيه القانون، ظل يقاتل بالقانون ويحمل معاول البناء وحده، مع أن الكلفة باهظة والمشوار طويل.
يجتهد نادي ود نوباوي من أجل تحرير الاتحاد والكرة السودانية من تلك الأسماء الجاثمة على صدورنا منذ سنوات.
الناس كانت تتحدث عن تزوير في أعمار لاعبي المنتخبات السنية، ونادي ود نوباوي أثبت أن هنالك تزويرًا حتى في محاضر الاتحاد الرسمية، وقد ينجح نادي ود نوباوي بقيادة رئيسه الذي يقاتل وحيداً “المعز النور محمد النور” في أن يحول قضية نادي ود نوباوي إلى قضية جنائية، وقد تصدر أوامر قبض في حق رئيس اتحاد الكرة ونائبه الأول إن لم تتدخل السلطة لحماية تلك الأسماء. غداً جلسة مهمة سوف تنظر فيها المحكمة في هذه القضية التي نسأل الله أن ينصر فيها الحق وأن يضرب الفساد.
المعز النور محمد النور الذي يتحرك بخطوات محسوبة وواثقة، قضيته ضد اتحاد الكرة لم يختزلها في ساحات العدالة السودانية فقط، وإنما طرق أبواب المحكمة الرياضية الدولية (كاس)، حيث ينتظر نادي ود نوباوي قراراً من المحكمة الرياضية يوم 26 نوفمبر القادم.
دروب المحاكم طويلة والتقاضي كلفته كبيرة على المستوى النفسي والمستوى المادي، لكن ما ضاع حق وراءه مطالب.
الذي نرجوه هو ألا نترك المعز النور محمد النور رئيس نادي ود نوباوي يقاتل وحده، فهو يواجه وباءً اسمه اتحاد كرة القدم السوداني.
الأكيد أن المعز النور محمد النور يتعرض لمضايقات كثيرة، ولا نشك في أن نادي ود نوباوي يدفع ثمن ذلك، ونحن للأسف حتى على مستوى الإعلام لا نقدم من الدعم إلا النذر القليل.
هنالك غضب عام على الاتحاد العام، وإذا أردنا أن نتخلص من هذا الاتحاد علينا أن نتوحد؛ الفرصة أمام الجميع لرمي هذا الاتحاد في مزبلة التاريخ.
أتمنى أن يتحرك الهلال، وهو القوة الرياضية الأكبر في البلاد، من أجل الإطاحة بهذا الاتحاد، خاصة أن الهلال من بين أكثر الأندية التي تضررت منه، فقد سلب اتحاد الكرة بطولة الهلال التي حققها بجهد إدارته وعرق لاعبيه.
يبدو أن الاتحاد ضد أي بطولة أو انتصار يتحقق بالعرق؛ لذلك أصبحت البطولة والهبوط والبقاء في الممتاز والتأهل له يتم عبر قرارات مكتبية بعيداً تماماً عن ملاعب المباراة.
…
متاريس
أرجو من جميع المواقع والصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي أن تعطي قضية ود نوباوي الأهمية التي تستحقها.
إذا أردتم الإطاحة بهذا الاتحاد، فإن السبيل الأفضل والأسرع والقانوني هو دعم نادي ود نوباوي ونصرته في قضيته ضد اتحاد كرة القدم السوداني.
بقت علينا حرب واتحاد معتصم جعفر.
هو نحن ناقصين؟
السودان عليه أن يتخلص من كل أجسام الفساد إذا أردنا أن نمشي إلى الأمام.
الحكومة يجب ألا تتعامل مع الرياضة بتوفير طائرة خاصة بعد أي انتصار يحققه المنتخب.
الموضوع أكبر من طائرة خاصة.
سوف نواجه الفساد في أي مكان… أحياناً ظروف الحرب تجعلنا نسكت.. لكن لن نسكت بعد الآن.
على كل الفاسدين أن يبلوا رؤوسهم.
طبعاً أي شخص في رأسه بطحة سيعود للفرفرة.
…
ترس أخير: ماشيين عليكم واحد واحد.