الحلقة الثانية:
هل تستطيع الحية الرقطاء ابتلاع الجنرال أم إنقاذه من مأزقه؟
ليست الحية الرقطاء، في الوصف الذي رسمته قبل أربع سنوات، مجرد كائنٍ يتربص بالجنرال من أسفل الجحر؛ إنها استعارة لعلاقةٍ سياسية ملتبسة، تختلط فيها الحاجة بالخوف، والتحالف بالمناورة، والانتماء بالطمع، والذاكرة بالمصلحة.
ولعل أخطر ما في هذه العلاقة أن طرفيها قد يحتاج أحدهما إلى الآخر من دون أن يطمئن إليه، وقد يتعاونان على طريقٍ واحد بينما يتطلع كلٌّ منهما إلى نهايةٍ مختلفة.
فهل تستطيع الحية الرقطاء إنقاذ البرهان من مأزقه الراهن، أم أن إنقاذها له ليس سوى خطوة على الطريق الذي قد ينتهي بابتلاعه هو نفسه؟
السؤال هنا لا يتعلق بمصير رجلٍ فقط، ولا بما إذا كانت الحركة الإسلامية قادرةً على العودة إلى واجهة السلطة عبر الحرب؛ بل بما إذا كان ممكناً أن يستعير الجنرال قوةً يستند إليها من دون أن يمنحها، في المقابل، مفاتيح التأثير في قراره ومصيره.
فالعلاقة بين السلطة وشبكاتها القديمة ليست علاقةً ميكانيكيةً بسيطة، يستطيع أحد طرفيها تشغيل الآخر ثم إطفاءه متى شاء. إنها علاقة تتراكم فيها المصالح والديون السياسية، وتُختبر حدودها كلما اشتد الخطر.
ولكي نفهم هذه العقدة، لا بد أن نعود قليلاً إلى ما قبل الحرب؛ إلى اللحظة التي سقط فيها رأس النظام، بينما ظلت أجزاء من بنيته السياسية والتنظيمية والإدارية حاضرةً في المشهد، أو قابلةً على الأقل لاستعادة حضورها.
لم يكن سقوط عمر البشير في أبريل 2019 نهايةً تلقائيةً لكل ما صنعه نظامه خلال ثلاثة عقود.
فقد يسقط السقف فيما تبقى بعض الأعمدة قائمة؛ وقد تتغير الوجوه في الواجهة بينما تستمر شبكات النفوذ في البحث عن موطئ قدمٍ جديد.
وهذه ليست خصوصية سودانية خالصة، إنما هي من طبائع الأنظمة التي تتغلغل طويلاً في الدولة والمجتمع، حتى يصعب الفصل التام بين مؤسسات البلاد وشبكات السلطة التي استحوذت عليها.
لكن بقاء الشبكات لا يعني أنها بقيت على حالها، ولا أن قدرتها على التأثير ظلت ثابتة.
فالسقوط يخلخل موازين القوة، ويصنع خصوماتٍ داخل المعسكر الواحد، ويترك وراءه مصالح متضاربة تبحث عن طريق للعودة بشكل أو بآخر.
ومن هنا ينبغي قراءة الحركة الإسلامية في السودان: لا باعتبارها كتلةً صماء تتحرك بإرادة واحدة، ولا باعتبارها أثراً من الماضي انتهى مفعوله، لكن بوصفها تياراً وشبكاتٍ ولوبيات مصالح، تتفاوت مواقعها وحساباتها، وقد تتقاطع أهدافها في موضعٍ وتتناقض في آخر.
لقد وجد البرهان نفسه، منذ الأيام الأولى للمرحلة الانتقالية، أمام معادلةٍ لا تخلو من المفارقة: يحتاج إلى شرعيةٍ سياسية تتجاوز المؤسسة العسكرية، وإلى توازناتٍ تمنحه القدرة على البقاء في مركز القرار وحده؛ لكنه في الوقت نفسه يواجه مطالب الثورة التي قامت على إنهاء فساد واستبداد النظام السابق الذي كان جزءاً منه، توطئة لإعادة بناء الدولة على أسسٍ مختلفة.
وبين هذين المسارين، أخذت العلاقة بين العسكر والقوى السياسية القديمة تتشكل من جديد، في مناخٍ لم تكن فيه القطيعة كاملةً، ولا المصالحة معلنةً بوضوح، ولا قواعد الشراكة مستقرةً على أرضٍ صلبة.
غير أن السؤال الذي يهمنا هنا هو: إلى أي مدى استطاع أن يظل هو صاحب القرار، وأيُّ ثمنٍ سياسي دفعه أو قد يدفعه لقاء الاستناد إلى قوى تملك بدورها مشروعاتها الخاصة؟
ففي السياسة، ليست المشكلة دائماً في أن يكون لك ظهير قوي؛ المشكلة أن تتغير موازين القوة بينكما، فيصبح ما منحك القدرة على الصمود عاملاً يحدّ من حريتك على الحركة.
وحين يتوقف بقاء طرفٍ ما على دعم طرف آخر، قد يتحول الدعم تدريجياً من أداةٍ في يد البرهان إلى قيدٍ على إرادته.
هكذا يمكن أن تتحول الحية الرقطاء إلى صورةٍ مزدوجة: تحمي الجنرال حين يشتد عليه الحصار، لكنها قد تضيق عليه الخناق حين يريد أن يسلك طريقاً لا يتفق مع حساباتها ومصالحها.
لكن كيف وصل هذا الجنرال، دوناً عن غيره، إلى الموقع الذي جعله محور هذه المعادلة؟ هنا تستحق لحظة صعوده الأولى وقفةً أخرى. فعندما تنحّى عوض بن عوف بعد يومٍ واحد من توليه رئاسة المجلس العسكري عقب سقوط البشير، لم يكن انتقال السلطة إلى البرهان مجرد تبديل اسمٍ باسم.
كان المشهد يتطلب شخصيةً بمواصفات خاصة، تستطيع العبور بين أكثر من دائرة: المؤسسة العسكرية، ومطالب الشارع، وبقايا النظام السابق، والقوى الإقليمية التي تراقب ما يجري في السودان وتريد أن يكون لها نصيبٌ في تشكيل مآلاته.
لم يكن البرهان بالضرورة أقوى رجال المؤسسة العسكرية نفوذاً، ولا أكثرهم وضوحاً في مشروعٍ سياسي مستقل؛ لكن موقعه وخلفيته وشبكة علاقاته جعلته مرشحاً ملائماً للحظةٍ كانت تبحث عن واجهةٍ يمكن أن تتقاطع عندها مصالح متباينة.
وقد تكون هذه القدرة على الجمع بين المتناقضات هي نفسها ما منحته فرصته الأولى، بيد أنها أضحت لاحقاً أحد مصادر مأزقه.
فالرجل الذي يستطيع أن يرضي أطرافاً متعارضة في لحظة انتقالية، قد يجد نفسه مع مرور الزمن مطالباً بدفع أثمانٍ متعارضة أيضاً لإرضاء هذه الأطراف كلها في وقت واحد.
وما يبدو في البداية مرونةً سياسية قد يتحول إلى ارتهانٍ لتوازناتٍ يصعب التحكم فيها.
ولعل هذا أحد الفروق بين من يصل إلى السلطة حاملاً مشروعاً يريد فرضه، ومن يصل إليها لأن أطرافاً مختلفة وجدت في وجوده مساحةً لتأجيل صراعها أو إدارة تناقضاتها.
الأول يحاول أن يجعل الآخرين يتحركون داخل مشروعه؛ أما الثاني فقد يكتشف بعد حين أنه يتحرك ويتعثر داخل مشاريع آخرين متناقضة أصلاً.
ولا يعني ذلك أن البرهان كان مجرد أداةٍ بلا إرادة، أو أن صعوده يمكن تفسيره بمؤامرةٍ واحدة مكتملة الأركان.
فالتاريخ السياسي أكثر تعقيداً من هذه الأحكام الجاهزة. لكن السؤال يظل مشروعاً: هل اختار البرهان حلفاءه وفق رؤيةٍ مستقلة لمستقبل الدولة، أم أن حسابات البقاء دفعته تدريجياً إلى الاستناد إلى قوى لا تتطابق بالضرورة رؤيتها للسودان مع ما يقتضيه بناء دولةٍ جديدة تقطع مع مراكز نفوذ دولة البشير؟
ثم جاءت الحرب كفخ صُنع بعناية لتضع هذه العلاقة أمام امتحانٍ أشد قسوة.
فالحرب ليست مجرد مواجهةٍ بين قوتين مسلحتين؛ إنها أيضاً لحظة تتنافس فيها القوى السياسية على تعريف العدو، واحتكار الشرعية، وتحديد شكل الدولة التي ينبغي أن تولد من تحت الأنقاض.
وفي مثل هذه اللحظات، يصبح السؤال عن هوية من يقاتل معك، وما الذي يريده من وراء هذا القتال، سؤالاً لا يقل أهميةً عن السؤال عن هوية من يقاتلك.
قد تتلاقى إرادة طرف الجيش في هزيمة خصمه العسكري مع إرادة قوى سياسية في استعادة نفوذٍ فقدته.
وقد يلتقي الطرفان عند هدفٍ آني بينما يختلفان في تصورات ما بعد الحرب: من يحكم؟ وبأي شرعية؟ وما موقع المدنيين منها؟ وهل تكون المؤسسة العسكرية خاضعةً لدولةٍ دستورية، أم تصبح الدولة نفسها امتداداً لسلطة ونفوذ الجنرالات؟
هنا تتكشف المعضلة الحقيقية، فليس كل من يقاتل في صفٍّ واحد يتطلع إلى الغاية ذاتها، وليس كل انتصارٍ عسكري انتصاراً لهذا المشروع السياسي التمويهي المعلن.
قد ينتصر طرفٌ في الميدان ثم يجد نفسه أمام حلفاء يريدون جني ثمار النصر على نحوٍ لم يكن في حساباته، أو أمام قوى تفسر التضحيات التي قدمتها بوصفها استحقاقاً سياسياً يخولها المشاركة أو العودة إلى الحكم.
وإذا كانت الحركة الإسلامية ترى في الحرب فرصةً لاستعادة ما فقدته، فإن السؤال ليس فقط ما إذا كانت تملك القدرة على ذلك، إنما أيضاً ما إذا كانت الحرب ستعيد إليها الدولة التي عرفتها، أم ستفتح عليها أبواباً معقدة لم تكن تتوقعها.
فالسودان الذي دخل الحرب ليس هو السودان الذي خرج من ثورة ديسمبر 2018.
لقد تبدلت أحوال الناس، واتسعت دوائر النزوح واللجوء، وتعرضت مؤسسات الدولة والمجتمع لضرباتٍ عميقة، وذاق ملايين السودانيين من ويلات الحرب ما يجعل العودة إلى الماضي، حتى لو أرادها بعض الفاعلين، أمراً لا يمكن افتراضه ببساطة.
الحرب قد تمنح شبكاتٍ قديمة فرصةً مؤقتة للعودة، لكنها قد تكشف أيضاً حدودها، وتفضح عجزها عن تقديم إجاباتٍ.
وقد تتيح لقوى شرهة أن تتقدم في الفراغ، لكن ذلك لا يمنحها بالضرورة شرعيةً مستدامة، ولا ضمانة بأن يقبل السودانيون إعادة إنتاج ذات النظام الذي ثاروا عليه.
فهل تستطيع الحركة الإسلامية أن تعود عبر بوابة الحرب ثم تخرج منها محتفظةً بالقدرة نفسها على توجيه الدولة والمجتمع؟ أم أن الحرب، التي قد تبدو لبعض أطرافها فرصةً لاستعادة النفوذ، ستضع الجميع أمام تحدٍ جديد تتغير فيه موازين القوة وتتسع فيه المسافة بين السيطرة العسكرية والقبول السياسي؟
هذه أسئلة مفتوحة، ولا يصح تحويلها إلى نبوءاتٍ قاطعة.
فالحرب لا تحمل ضمانةً أخلاقيةً بأن تنتصر قوى بعينها أو تنهزم أخرى، ولا تعمل كآلةٍ تطهر التاريخ من أخطائه بمجرد أن تحرق ما حولها.
إنها قبل كل شيء مأساة بشرية، ومسؤولية يدركها من أشعلوها وأداروها، فيما تظل احتمالات مآلاتها رهناً بأفعال البشر واختياراتهم، لا بحتميةٍ نعرفها سلفاً.
لكن ثمة ما هو أبعد من العلاقة بين الجنرال والحية الرقطاء. فالجحر الذي حشر البرهان نفسه فيه لم يكن محاطاً بقوى الداخل وحدها.
فوقه، كما في تصوري القديم، مخلب نسرٍ جارح، يذكّرنا بأن السودان لم يكن يوماً معزولاً عن صراعات الإقليم وحسابات القوى الدولية.
وهنا تتسع المتاهة: فالجنرال لا يتحرك في فضاءٍ سوداني خالص، والحركة الإسلامية لا تنشط بمعزلٍ عن بيئة إقليمية ودولية هي الآن غير مواتية، والجيش نفسه ليس منفصلاً عن شبكةٍ واسعة من المصالح والتحالفات والضغوط.
وفي هذا التشابك، قد يجد كل طرفٍ في الخارج سنداً يظن أنه يقوي موقفه، من دون أن يضمن أن هذا السند لن يفرض عليه أثماناً تتجاوز ما كان مستعداً لدفعه في لعبة الأمم الكبرى.
فإذا كانت الحية الرقطاء تمثل الوجه الداخلي للمأزق، فإن مخلب النسر يفتح الباب أمام الوجه الخارجي منه.
وبينهما يقف الجنرال محاطاً بقوى لا تتطابق مصالحها بالضرورة، ولا تتوقف حساباتها عند حدود السودان.
وهكذا يعود السؤال إلى نقطةٍ أكثر عمقاً: هل يملك البرهان من حرية القرار ما يكفي ليوازن بين كل هذه القوى، أم أن كل محاولةٍ للاستقواء بطرفٍ ستجعله أكثر اعتماداً عليه وأقل قدرةً على الانفكاك من شروطه؟
ليس الجحر في النهاية مكاناً جغرافياً ضيقاً فحسب؛ إنه وضعٌ سياسي قد يجد فيه صاحبه نفسه محاطاً بكل ما يحتاج إليه للبقاء، وبكل ما يهدد قدرته على الخروج.
قد تحميه الحية من عقرب صغير، وقد يحجبه النسر عن رؤية خصم خطير، لكن اجتماع الحماية والخطر في المكان نفسه لا يصنع طريقاً إلى تحرر القرار.
وإذا كان البرهان قد خرج من البدروم، فإن السؤال الذي ينتظره ليس: كيف نجا من الحصار؟ إنما: كيف يخرج من شبكة العلاقات التي جعلت النجاة نفسها جزءاً من المأزق.
فالحية الرقطاء قد تحاول إنقاذ الجنرال من بعض خصومه الصغار، لكنها قد تبتلعه أيضاً في حساباتها النهائية؛ غير أن الأخطر من الاحتمالين أن يظن الجنرال أنه بات يملك مصير الحية، فيما تكون هي قد أحكمت قبضتها على الطريق الملغوم الذي وضعته فيه.
في الحلقة الثالثة: هل يستخدم حلفاءه أم يستخدمونه؟
هناك، خارج الجحر وداخله، تتقاطع حسابات القوى المحلية والإقليمية والدولية؛ وهناك أيضاً يتحدد ما إذا كان البرهان صاحب مشروعٍ يوازن به الضغوط، أم أنه مركزٌ تتصارع حوله مشاريع الآخرين.