مقالات

الحركة الشعبية.. أين السودان الجديد؟

إبراهيم هباني

أرادت الحركة الشعبية تغيير السودان، فتغيرت خريطته، وتفرقت قياداتها بين دولتين ومعسكرات متنافسة. وبعد أكثر من أربعة عقود على تأسيسها، يحق للسودانيين أن يسألوا: أين السودان الجديد؟ في الجنوب الذي استقل ثم تحول إلى ميدان دامٍ لصراع رفاق السلاح؟ أم في الشمال، حيث توزعت قيادات المشروع بين السلطة والمعارضة والتحالفات المسلحة؟

السؤال يتعلق بحصيلة تجربة وعدت بإعادة تأسيس الدولة. ومن يرفع وعدا بهذا الحجم، يحاسب على ما تغير في حياة الناس، وعلى المؤسسات التي بناها، وعلى قدرته على حماية مواطنيه من أخطائه أيضا.

تأسست الحركة عام 1983 بقيادة جون قرنق، وقدمت قراءة للأزمة تتجاوز جنوب السودان. فالمشكلة، في رؤيتها، تكمن في بنية الدولة واحتكار السلطة والثروة، وفي عجز النظام السياسي عن استيعاب تعدد السودانيين. ومن هنا وجدت الفكرة أنصارا في جبال النوبة والنيل الأزرق، وبين شماليين رأوا فيها مشروعا لتغيير البلاد كلها.

كانت تلك قوة الحركة الكبرى: نقل النقاش من مطالبة الأطراف بنصيب في الدولة، إلى مساءلة طريقة بناء الدولة نفسها. لكن اتساع الفكرة لم يصاحبه دائما اتساع في المؤسسة. فقد أرادت الحركة تأسيس نظام يتسع للاختلاف، بينما تعثرت مرارا في إدارة خلافات قادتها.

ظهر التناقض بوضوح في انشقاق الناصر عام 1991، بقيادة رياك مشار ولام أكول وغوردون كونغ. اختلط الخلاف حول قيادة قرنق والديمقراطية الداخلية بالخلاف على الوحدة وتقرير المصير، ثم توالت انشقاقات أخرى. وعاد مشار إلى الحركة عام 2002، لكن إعادة جمع القادة لم تكن كافية لإثبات معالجة أسباب الانقسام.

هذه مشكلة ستلاحق التجربة: تستطيع التسوية إعادة توزيع المواقع، بينما تبقى قواعد إدارة الخلاف ضعيفة، إلى أن تأتي مواجهة جديدة.

في جبال النوبة والنيل الأزرق، كانت للسكان قضايا تخص الأرض والهوية والتنمية والتمثيل. لم يكن انخراطهم في الحركة مجرد امتداد للحرب الجنوبية. وأعطى يوسف كوة، ثم قيادات بينها عبد العزيز الحلو، مطالب المنطقة حضورا وطنيا. ولهذا يجب الفصل بين حقوق تلك المجتمعات وخيارات القيادات التي تحدثت باسمها.

ويلزم هنا ضبط المراحل. فقبل انفصال الجنوب كانت الحركة الأم تضم وجودها السياسي والعسكري في الشمال. أما «الحركة الشعبية–شمال» بوصفها تنظيما مستقلا عن الحزب الحاكم في دولة جنوب السودان، فتبلورت مع الانفصال عام 2011. وهذا التمييز ضروري لتحديد المسؤوليات، بدلا من جمع تجارب مختلفة تحت حكم واحد.

جاء اتفاق نيفاشا عام 2005 لينهي الحرب بين الحكومة والحركة، ويؤسس ترتيبات لتقاسم السلطة والثروة وتقرير مصير الجنوب. كان إنجازا كبيرا، لكنه حمل تفاوتا سيحدد مستقبل حلفاء الحركة في الشمال.

حصل الجنوب على استفتاء يتيح الاختيار بين الوحدة والانفصال. أما جنوب كردفان والنيل الأزرق فحصلتا على «المشورة الشعبية»، وهي آلية لتقييم الاتفاق وترتيباته عبر المؤسستين التشريعيتين، وليست حقا مماثلا في تقرير المصير.

لم يكن ذلك اختلافا في الألفاظ. امتلك الجنوب طريقا واضحا إلى مستقبله، بينما بقي مستقبل المنطقتين مرتبطا بإصلاح الدولة التي ستبقيان داخلها. وكان السؤال الذي يحتاج إلى ضمانات أكبر: ماذا يحدث لحلفاء الحركة في الشمال إذا اختار الجنوب المغادرة؟

ثم رحل قرنق في يوليو 2005، وأصبح على الحركة أن تثبت أن المشروع قادر على الاستمرار بعد غياب صاحبه.

قدم ترشيح ياسر عرمان لمنافسة عمر البشير عام 2010 فرصة مهمة لذلك الاختبار. فحركة انطلقت من الجنوب قدمت شماليا لرئاسة السودان، وخاطبت جمهورا يتجاوز مناطق نفوذها التقليدية. حمل الترشيح احتمالا لتحويل السودان الجديد إلى منافسة سياسية على حكم البلاد.

لكن الحركة سحبت مرشحها في 31 مارس، معلنة اعتراضها على اختلالات العملية الانتخابية واستمرار الحرب في دارفور. كان القرار قرار الحركة، ولا يصح اختزاله في اختيار شخصي لعرمان. كما لا يصح تقديم الشكوك بشأن صفقة سرية باعتبارها حقيقة؛ فقد نفى عرمان ذلك.

أما القراءة السياسية المرجحة، فهي أن تأمين الطريق إلى استفتاء الجنوب تقدم على معركة الرئاسة في السودان كله. وهذا استنتاج من سياق المرحلة، وليس إثباتا لاتفاق خفي.

كان من حق الحركة الاعتراض على انتخابات غير عادلة. وكان من حق مؤيديها أيضا أن يسألوا عن جدوى تعبئتهم حول مرشح ثم سحبه قبل الاقتراع. وقد طالب بعضهم بعودته إلى السباق. لا يعني ذلك أن فوزه كان مضمونا؛ بل إن فرصة اختبار الوزن الانتخابي للمشروع لم تكتمل.

وفي عام 2011 استقل الجنوب. هنا حصلت الحركة على ما لم تحصل عليه في الشمال: دولة تحكمها. أصبحت مسؤولة مباشرة عن تحويل مشروع التحرير إلى أمن وعدالة وخدمات ومؤسسات.

لكن الدولة الوليدة دخلت حربا أهلية في ديسمبر 2013، إثر الصراع بين سلفا كير ورياك مشار. وانتقل خلاف القيادة إلى القوات والمجتمعات، واكتسب أبعادا إثنية مدمرة. ثم انهارت تسوية 2015 مع تجدد القتال في جوبا عام 2016، قبل اتفاق آخر عام 2018.

فأين جنوب السودان من وعد السودان الجديد؟ وكيف أصبح البلد الذي انتظر نهاية الحرب ميدانا داميا لصراع قادتها؟ وماذا كسب المواطن إذا بقي أمنه معلقا على العلاقة بين الرئيس ونائبه، وعلى توازن القوات التابعة للمتنافسين؟

هذه الأسئلة لا تنتقص من حق الجنوبيين في الاستقلال. إنها تتعلق بما فعلته القيادة بذلك الحق بعد تحققه. فقد نجحت الحركة في قيادة الجنوب إلى دولة، لكنها أخفقت في حماية الدولة من نزاع قادتها. وكان يفترض أن تنتهي رحلة المقاتل بقيام المؤسسات، ليعود مواطنا تحميه سلطة عامة؛ فإذا بالصراع يعيده إلى التعبئة، ويعيد أسرته إلى النزوح.

ولا يتحمل شماليو الحركة مسؤولية كل ما جرى في جوبا. لكن التجربة تفرض عليهم توضيح الضمانات التي تمنع تكرارها: كيف يخضع السلاح للدولة؟ وكيف يتغير القائد من دون انشقاق؟ وكيف يعارض المواطن الحركة من دون خوف؟

في الشمال، اندلعت الحرب في جنوب كردفان والنيل الأزرق عام 2011، وبقيت قضايا المنطقتين بلا تسوية نهائية. ثم انقسمت الحركة الشعبية–شمال عام 2017، بين عبد العزيز الحلو من جهة، ومالك عقار وياسر عرمان من جهة أخرى. شملت الخلافات القيادة والتفاوض وتقرير المصير وعلاقة الدين بالدولة، واقترنت بمواجهات دامية في النيل الأزرق.

عندما يدفع السكان ثمن خلافات من يتحدثون باسم تحريرهم، تصبح المحاسبة جزءا من صدقية القضية. فالتضحيات لا تعطي القيادة تفويضا مفتوحا، ولا يجوز أن يبقى حق الضحايا في المعرفة أسير روايات الأطراف المتنازعة.

بعد ذلك تباعدت المسارات أكثر.

اختار مالك عقار اتفاق جوبا للسلام عام 2020، وانتقل إلى المشاركة في السلطة، ثم عينه البرهان نائبا لرئيس مجلس السيادة في مايو 2023.

التفاوض والمشاركة ليسا تهمة. لكن المنصب يرتب حسابا مختلفا: ما الذي استطاع عقار تحقيقه لمواطني النيل الأزرق والمنطقتين؟ وما أثر موقعه في حماية المدنيين وعودة النازحين والخدمات؟ إن ارتفاع موقع القائد لا يثبت، وحده، تحسن موقع مجتمعه.

وانفصل عرمان عن عقار عام 2022، في خلاف شمل الموقف من انقلاب أكتوبر 2021، واتجه إلى قيادة التيار الثوري الديمقراطي والعمل المدني. ثم أعلن تياره عام 2025 تجميد مشاركته في الأجهزة التنفيذية لـ«صمود»، مطالبا بإصلاح التحالف، واستمرت تحفظاته في 2026.

يمتلك عرمان خبرة سياسية وحضورا في التفاوض والخطاب العام. لكن مستقبله يتوقف على تحويل ذلك إلى تنظيم له قواعد ومؤسسات وقدرة على تجديد قيادته. فالمكانة السياسية للشخص لا تغني عن اختبار القبول الشعبي لتنظيمه.

أما مبارك أردول، فقد غادر الحركة عام 2019، وتولى إدارة الشركة السودانية للموارد المعدنية بين 2020 و2023، ثم واصل نشاطه عبر التحالف الديمقراطي للعدالة الاجتماعية والكتلة الديمقراطية. وهو جزء من تاريخ تحولات كوادر الحركة، وليس قائدا لجناح قائم منها.

تستوجب تجربته سؤالا محددا: ماذا عاد على مجتمعات التعدين والمناطق المهمشة من انتقال أحد أبنائها إلى إدارة الموارد؟ الإجابة تحتاج إلى حصيلة قابلة للفحص. فالسيرة النضالية تفسر الطريق إلى المسؤولية، لكنها لا تكفي لتقييم الأداء بعد الوصول إليها.

وفي الجانب الآخر، دخل الحلو تحالف «تأسيس» مع الدعم السريع، وأعلن نائبا لحميدتي في المجلس الرئاسي للسلطة الموازية في يوليو 2025، واستمر حضوره في هياكل التحالف خلال 2026. والأدق وصف ذلك بأنه تحالف ومشاركة في سلطة، مع استمرار هوية الحركة التنظيمية.

هذا الخيار يضعه أمام مساءلة تتصل بجوهر مشروعه: ما ضمانات حماية المواطنين؟ وما قواعد محاسبة الحلفاء؟ وكيف يمنع التحالف إعادة إنتاج سلطة السلاح التي يفترض أن السودان الجديد جاء لمعالجة جذورها؟

لا تكفي النصوص التي تتعهد بالمواطنة والعلمانية. صدقيتها تتحدد حين يصبح الالتزام بها مكلفا للقيادة وحلفائها.

ولم تفتقر تجربة الحركة إلى الإسهام الفكري. فقد قدم أبكر آدم إسماعيل، في «جدلية المركز والهامش»، قراءة لبنية الصراع والهوية والتهميش. ورفد كتاب وباحثون من جبال النوبة، بينهم عمر مصطفى شركيان، النقاش بكتابات تاريخية وسياسية ونقدية. وهذا رصيد لا يجوز اختزاله في قرارات القيادة، ولا اعتبار أصحابه كتلة سياسية واحدة.

لكن هذا الرصيد يواجه اليوم امتحانا يتجاوز شرح مظالم الدولة القديمة: هل يستطيع نقد السلطة التي تمارس باسم الهامش، والتحالفات التي تعقد باسم تحريره؟

هنا يطرح تحالف الحلو مع «تأسيس» سؤال العلاقة بين الفكرة والممارسة: أين تنتهي ضرورات التحالف المرحلي، وأين يبدأ تغيير المشروع نفسه؟ وما الضمانات التي تمنع الوسيلة من ابتلاع الغاية؟

المطلوب من الفكر أن يفحص هذه الخيارات باستقلال، وأن يوضح كلفتها وحدودها وشروط مراجعتها. فشرح أسباب التهميش مهمة ضرورية، لكن صدقية المشروع تتوقف أيضا على مساءلة من يتحدثون باسم المهمشين. والتحالف المؤقت قد يرتب نتائج طويلة لا يملك السكان الانسحاب منها بمجرد صدور بيان جديد.

ماذا قدمت الحركة إذن لإنسان الشمال، خصوصا سكان المنطقتين؟

قدمت إسهاما مهما في نقد الدولة، ووسعت النقاش حول المواطنة والتهميش، ومنحت قضايا جبال النوبة والنيل الأزرق حضورا وطنيا ودوليا. لكنها لم تنجح في تحويل هذا الرصيد إلى سلام مستدام أو مؤسسة موحدة قادرة على إدارة اختلافها.

أما حصيلتها الخدمية والتنموية، فتحتاج إلى حساب منشور لكل مرحلة ومنطقة: الموارد المتاحة، وما أنفق منها، وما تحقق، وما تعطل وأسبابه. فلا يصح محو جهود التعليم والإدارة والخدمات حيث وجدت، كما لا يصح إعلان نجاح شامل من دون بيانات تتيح للناس الحكم عليه.

ولا تتحمل الحركة وحدها مسؤولية المآسي. فمسؤولية الدولة عن حماية السكان، وعن الانتهاكات التي ترتكبها أجهزتها، لا تسقط بأخطاء خصومها. وفي المقابل، لا تعفي جرائم السلطة الحركات من مسؤولية قراراتها وممارساتها.

أما مستقبل هذه الأجسام، فسيتحدد بطبيعة السودان الذي يخرج من الحرب. إذا كانت النهاية تسوية لتوزيع المواقع، فقد يحتفظ أصحاب السلاح والمناصب بنفوذ يفوق وزنهم الشعبي المعلوم. وإذا فتحت الطريق إلى انتخابات موثوقة، فسيواجه الجميع امتحان القبول الطوعي. وإذا استمرت السلطات المتوازية، فقد تبقى التنظيمات قوية في مناطقها، بينما يتآكل السودان الذي وعدت بتجديده.

ليس جمع القيادات من جديد ضمانا لاستعادة المشروع. فقد تباعدت خياراتها ومصالحها، وأصبح الاتفاق على قواعد الحكم أهم من إعادة الأسماء إلى منصة واحدة: قيادة قابلة للتغيير، وسلاح يخضع للدولة، وموارد معلنة، ومواطن يملك حق الرفض.

كان السودان الجديد وعدا بتغيير علاقة الدولة بالإنسان. وبعد كل هذه التحولات، أصبح تحقيقه يحتاج أيضا إلى تغيير علاقة الحركة بالإنسان.

فمن قاتل باسم المواطن، ثم حكم باسمه أو فاوض على مستقبله، عليه أن يعود إليه بحصيلة. وبعد أربعة عقود، يستحق ذلك المواطن أكثر من قائد جديد يحمل إليه الوعد القديم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع