مقالات

فرص التسوية التفاوضية بعد جنيف

أشرف عبدالعزيز

تكتسب التحركات الدبلوماسية المستجدة التي كشف عنها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، أهمية بالغة في قراءة مستقبل الأزمة السودانية المحتدمة، إذ تعكس إدراكاً دولياً وإقليمياً متزايداً بضرورة توحيد المقاربات الخارجية وإيجاد إطار دبلوماسي مشترك قادر على كسر حالة الانسداد الميداني.

وإن اتفاق السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة على تكثيف الاتصالات مع القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لدفعهما نحو تسوية تفاوضية يمثل محاولة لإعادة تنشيط القنوات السياسية الغائبة، والاستفادة من أوراق الضغط والتأثير المباشرة التي تمتلكها هذه العواصم على طرفي النزاع للوصول إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف دائم لإطلاق النار وإعادة إطلاق العملية السياسية.

تكمن قوة التكتل الرباعي في تركيزه على الجمع بين القوى الإقليمية والدولية الرئيسية ذات التأثير المباشر في الملف السوداني؛ فالسعودية والولايات المتحدة تقودان، منذ بدايات الصراع، جهود الوساطة والدعم الدبلوماسي والمساعدات الإنسانية، بينما تمتلك مصر عمقاً استراتيجياً وتواصلاً تاريخياً ومؤسسياً مع الدولة السودانية وقواتها المسلحة، في حين تحتفظ الإمارات بروابط ونفوذ إقليمي فاعل في هذا الملف.

وتمنح هذه التركيبة المتنوعة الرباعية ثقلاً استثنائياً إذا ما تضافرت جهودها في تقديم حوافز حقيقية للتفاوض أو فرض كلف سياسية ودبلوماسية ملموسة على الطرفين، خاصة مع التشديد الأمريكي المجدد على غياب أي حل عسكري للصراع، وأن إنهاء القتال يتطلب مساراً سياسياً شاملاً يتسق مع تطلعات الشعب السوداني.

غير أن التحرك الأخير للرباعية يتصادم مع تحديات هيكلية وميدانية عميقة قد تعرقل تحويل هذه التفاهمات إلى اختراق ملموس على الأرض، وفي مقدمة هذه التحديات تباين المصالح الاستراتيجية والرؤى التفصيلية بين دول المجموعة بشأن مستقبل الترتيبات السياسية والأمنية في السودان، فضلاً عن غياب الثقة المتجذر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. فالقيادة العسكرية السودانية تتمسك بشرعية مؤسسات الدولة وترفض أي مسار يمنح قوات الدعم السريع شرعية سياسية أو وجوداً عسكرياً مستقبلياً، بينما تسعى الأخيرة إلى فرض معادلة أمر واقع وتحقيق مكاسب ميدانية تضمن بقاءها طرفاً رئيسياً في السلطة والتفاوض.

كما أدى تدفق السلاح وتنوع الرعاة الخارجيين خارج الإطار الرباعي إلى إضعاف نجاعة الضغوط الدبلوماسية، وجعل طرفي الحرب يراهنان باستمرار على خيار الحسم العسكري بدلاً من القبول بالحلول الوسط.

وفي هذا السياق، شكّلت اجتماعات جنيف الأخيرة، بمشاركة 27 دولة ومنظمة، خطوة لافتة في اتجاه توسيع مظلة التنسيق الإقليمي والدولي لتضم، لأول مرة، أطرافاً ذات تأثير مباشر في جوار السودان، مثل تركيا وتشاد وإثيوبيا.

ويسهم هذا التوسع في محاصرة قنوات التهريب والدعم اللوجستي وتوحيد المواقف الدولية ضد اتخاذ أي خطوات أحادية لتشكيل حكومات أو كيانات حكم موازية قد تؤدي إلى تقسيم البلاد.

إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة هذا الحشد الدولي على إجبار الطرفين على الالتزام الفعلي بمخرجات الاجتماعات، لا سيما في ظل التأكيد المتبادل على تعزيز إجراءات بناء الثقة وتبادل الأسرى والمحتجزين.

ويتزايد الفارق بوضوح بين الزخم الدبلوماسي الحاصل في جنيف والتصعيد العسكري الدموي على الأرض، حيث يعكس مقتل مئات المدنيين خلال الأيام الأخيرة جراء الهجمات المكثفة بالطائرات المسيّرة في الخرطوم وكردفان ودارفور إصرار الجانبين على مواصلة الحرب والتوسع الميداني دون اعتبار للكوارث الإنسانية المتفاقمة.

ويتضح من ذلك أن التحركات العسكرية وسعي الأطراف إلى تحسين مواقفها التفاوضية سبقا كل المبادرات السياسية والهدن المطروحة، وهو ما يحول دون وصول المساعدات الإنسانية إلى الملايين من النازحين والعالقين في مناطق النزاع.

إن النجاح المرتقب للتحركات التي أشار إليها مسعد بولس والرباعية الدولية لا يرتبط بحجم اللقاءات والبيانات الصادرة، بل يقترن بالقدرة على صياغة موقف موحد وحازم يمارس ضغوطاً حقيقية على الطرفين لوقف القتال فوراً وفتح الممرات الإنسانية.

وبدون وجود آليات تنفيذية ورادعة تجبر الطرفين على القبول بهدنة دائمة وتقديم تنازلات مؤلمة لصالح الحوار السياسي ودعم الآلية الخماسية الشاملة، ستظل المساعي التفاوضية معرضة للامتصاص والتعطيل وسط استمرار حرب الاستنزاف التي تهدد بانهيار مؤسسات الدولة السودانية وتفكيك نسيجها الاجتماعي بشكل كامل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع