رياضة

ملاعبنا تربي أطفالا …أم ضحايا.. صافرة إنذار..التحرش الجنسي يحاصر الصغار والكبار

كرة القدم في السودان "طريق محفوف بالمخاطر "

واقعة عجوز التاج ليست البداية..احتواء في معسكر صقور الجديان ودار الرياضة تجمع الجلادين والضحايا

 تحقيق : ناهد الباقر

تحت أضواء الكشافات وفي مدرجات التشجيع.. يحلم الطفل السوداني بأن يصبح “ميسي السودان” القادم.

لكن خلف أبواب غرف الملابس، وفي زوايا ملاعب التدريب، يتحول الحلم إلى صفقة قذرة.

في السودان، لم تعد كرة القدم لعبة فقط. أصبحت سوقاً لصيد الأجساد الصغيرة.

مدرب يوعد بالتسجيل في النادي، وإداري يلوّح بعقد الاحتراف، وثمن ذلك كله معروف “للجميع” لكن لا أحد يجرؤ على نطقه.

الأخطر؟ أن الجريمة لم تعد تُدفن في السر. بل صارت “ونسة” في القهاوي و”نكتة” في الاستادات. نضحك، ثم نعود لنسلم أبناءنا لنفس الأيدي.

في هذا التحقيق نسلط الضوء على جريمة التحرش الجنسي في ملاعب كرة القدم التي ظلت تؤرق الجميع.

—

_”إنت البتحبه مش بتبوسه.. حأجيب ليك لبس وكدارة جديدة.. وحأسجل ليك في الهلال”_

كلمات مسجلة في هاتف لاعب لم يتجاوز 17 عاماً. كان يظنها وعداً بمستقبل، فاكتشف أنها ثمناً لصمته.

القصة لم تبدأ وتنتهي هنا. بحسب متابعات “التحقيق” فإن النموذج يتكرر في كواليس عدد من الأندية: مسؤول متنفذ، لاعب ناشئ يحلم، وعرض يبدأ بـ “لبس جديد” وينتهي بابتزاز.

*الملف رقم 2026/1906*

في 19 أكتوبر 2026 أصدرت نيابة أمدرمان شمال مذكرة شطب للدعوى الجنائية رقم 2026/1906 والمقيدة تحت المادة 151 من القانون الجنائي 1991 والمتعلقة بـ “الأفعال الفاحشة”.

المستند، الذي تحصلت عليه الصحيفة، يوضح أن البلاغ تم شطبه “للتنازل” مع إلزام المتهم – وهو مسؤول رياضي سبعيني – بالتوقيع على تعهد بعدم التعرض للشاكي.

هنا توقفت العدالة عند باب “التنازل”. لكن نادي التاج الذي يشغل فيه المتهم منصباً أصدر قراراً بتجميد عضويته، موضحاً أنه “لا تهاون في القيم الأخلاقية”.

 وأكد المحامي أبو القاسم عبد الله أن شطب الدعوى الجنائية بالتنازل في هذه الواقعة يمثل مخالفة صريحة للقانون ويتعارض مع المبادئ التي أقرها قانون الطفل لحماية القصر. وكان يتعين على النيابة مواصلة الإجراءات باعتبار أن الأمر يتعلق بالحق العام

صقور الجديان..الفضيحة والاحتواء

إفادة موثقة ضمن هذا التحقيق تتحدث عن بطولة خارجية في عام ٢٠١١ حدث فيها “تعدٍ لفظي وجسدي” بين لاعب شاب وعضو في الجهاز الفني للمنتخب. السبب: اتهام بالتحرش.

الفضيحة كادت أن تطيح بالبعثة كلها. فتم استدعاء “رجل الإطفاء” المعتاد: رئيس نادي معروف ونافذ، ليحتوي الموضوع بعيداً عن الإعلام.

الحل كان سريعاً ومؤلماً: ترحيل اللاعب إلى الخرطوم. أما الطرف الآخر فبقي مع البعثة حتى النهاية. علما بأن معاقبة الضحية بالترحيل والتغطية على الجاني تعتبر مخالفة صريحة لمدونة أخلاقيات الفيفا

القصة لم تُسجل في أي تقرير رسمي. لكنها بقيت شاهداً على أن الخوف من الفضيحة أكبر من حماية اللاعب.

دار الرياضة أمدرمان..من مصنع الأبطال إلى ملاذ للجناة

المؤسف أن يتحول صرح رياضي عريق مثل *دار الرياضة بأمدرمان* إلى بيئة طاردة وملاذاً لمرتكبي جرائم التحرش والاستغلال الجنسي للأطفال.

كان من المفترض أن تكون الدار منصة لصناعة النجوم وحاضنة لمواهب كرة القدم الحالمة باللعب للأندية والمنتخبات.

لكن شهادات متطابقة ووقائع متكررة كشفت، بحسب ما رصده التحقيق، عن وجه آخر مظلم: ساحة لصيادي المواهب الصغار وممارسة التحرش بهم.

الأخطر أن الجرائم لم تعد تُوصف إلا كـ “نكتة” أو “طرفة” داخل الوسط الرياضي، في تطبيع خطير يهدد مستقبل أجيال.

معروف للجميع

تقول مصادر”الأسماء معروفة. فلان مثبت من قبل المدرب فلان، وآخر تم استغلاله بواسطة إداري. الجميع يعرف لكن لا أحد يتحدث”

صمت الإدارة، وخوف الأسر، وغياب آليات الحماية والتبليغ، جعلت من الضحايا الصغار فريسة سهلة، ومن الجناة طلقاء يمارسون جريمتهم تحت غطاء “الاكتشاف والتدريب”.

دار الرياضة بأمدرمان لم تُبنَ لتكون مسرحاً للجريمة.. بُنيت لتصنع الأبطال.

شهادة من شرطي

يقول شرطي سابق كان يعمل بمنطقة أمبدة بأم درمان في إفادة خاصة لهذا التحقيق:

“نفس الشخص المتهم في بلاغ التحرش رقم 2026/19006، سبق أن تم القبض عليه متلبساً مع أحد اللاعبين القصر داخل ملاعب الناشئين بالمنطقة في عام 2019”.

ويتابع: “قمنا بالقبض عليه في حينها، لكنه أجرى اتصالاً هاتفياً بأحد المسؤولين النافذين. وبعد أيام فقط، صدر قرار بنقلي من القسم. وبعدها بفترة قصيرة قدمت استقالتي وسافرت للعمل في المملكة العربية السعودية”.

الواقعة لم تُسجل رسمياً في دفاتر القسم. لكنها تركت أثرها واضحاً: شرطي تم نقله، ثم غادر البلاد ومتهم حر طليق يواصل نشاطه.

لم تكن المرة الأولى. كانت المرة التي لم ينجح فيها الاتصال بإسكاتها.

رؤية خبير

يقول *الكابتن محمد حسن كبروس*، الذي عمل سابقاً في السودان مدرباً وحكماً، ويشغل حالياً منصب ضابط حماية ورفاهية الطفل في كرة القدم الاسكتلندية:

“بحكم تجربتي في العمل الرياضي داخل السودان وخارجه، تعاملت مع بيئتين مختلفتين تماماً: بيئة لا تدرك خطورة جرائم التحرش والاعتداء بكل أشكاله على الأطفال، وأخرى تدرك حجم هذه الجرائم وتكافحها بمنظومة متكاملة من الوقاية والتشريعات والتدريب والمساءلة.

ويتابع: في تقديري، المشكلة في كرة القدم السودانية لا تقتصر على وقوع الانتهاكات بل تمتد إلى ضعف الوعي المؤسسي بمفهوم حماية الطفل، وغياب سياسات واضحة للوقاية والإبلاغ والاستجابة.. حماية الطفل ليست ترفاً إدارياً، بل التزام مؤسسي وأخلاقي.. وأخطر ما يواجه الأطفال ليس الجاني وحده، وإنما الصمت الذي يحميه، والبيئة التي تسمح له بتكرار جريمته.”

*رد الاتحاد*

ورغم تصاعد الاتهامات بحق إداريين ومدربين في الوسط الرياضي، جاء أول رد رسمي على لسان *د. معتصم جعفر رئيس الاتحاد السوداني لكرة القدم* خلال مؤتمر صحفي، ليقر بوجود *”بعض الحالات”* فقط، ويحذر من *”تعميم التجربة”* على جميع الأندية والأكاديميات.

لكن حديثه خلا من أي تفاصيل عن إجراءات عملية: لا لائحة لحماية الطفل، ولا قنوات واضحة للإبلاغ، ولا محاسبة للمتورطين. واختزل معالجة الأزمة في الدعوة إلى *”مزيد من الضبط والانضباط”*.

في المقابل، تُلزم *لوائح الفيفا* الاتحادات الوطنية بحماية اللاعبين القُصر، وتوفر *بوابة FIFA Reporting Portal* للإبلاغ السري والآمن عن أي حالات إساءة أو تحرش أو استغلال للأطفال في كرة القدم، عبر الموقع الرسمي للاتحاد الدولي.

البريد الإلكتروني العام للشكاوى: contact@fifa.org

بيئة بلا حماية

الصمت لا يحمي كرامة المؤسسة.. الصمت يصنع جانياً جديداً.

ما حدث في الملف 2026/1906، وما حدث في بعثة المنتخب، وما حدث في دار الرياضة بأمدرمان، وما قاله شرطي أمبدة، ليس حالات فردية. هو نموذج لبيئة رياضية غابت عنها أبسط معايير الحماية، فتحولت الموهبة إلى سلعة، والوعد إلى فخ، والملعب إلى مكان خطر.

كرة القدم في السودان لا تحتاج فقط لأهداف ومواهب. تحتاج *لحماية*.

تحتاج أن يسمع صوت الطفل قبل صافرة الحكم، لا بعد أن يُكسر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع