منوعات

الريشة تلامس الفضاء الرقمي: “عنقاء الرماد” معرض فني إسفيري يعيد تشكيل الحضور بعد غياب

تقرير - معزة صالح

في بلد مزّقته الحرب وتشتّت فيه المبدعون بين المنافي ومناطق النزوح، اختارت مجموعة من الفنانات التشكيليات أن لا يكتفين بالصمت أو الغياب. من بين الركام، وعلى هامش الواقع الثقيل، أطلقت جمعية التشكيليات السودانيات معرضًا فنيًا إسفيريًا حمل اسمًا لا يخلو من التحدي والأمل: “عنقاء الرماد”.

لمحه عن جمعية التشكيليات السودانيات

تكونت الجمعية من مجموعة من التشكيليات السودانيات من أجيال مختلفة، وهي جمعية طوعية ثقافية، إجتماعية غير سياسية تهدف إلى إحياء النشاط الفني للمرأة وتشجيعها لتبنّي دور ملموس في تطوير الحركة التشكيلية في السودان.
سجلت الجمعية في مسجل الجمعيات بالهيئة القومية لرعاية الآداب والفنون في العام 1999م وأعلن عنها في العام 2000م بإفتتاح أول معرض للجمعية في يوليو 2000م في فندق هلتون، أفتتحه الدكتور غازي صلاح الدين، وزير الثقافة والإعلام في ذلك الوقت، ضمن 30 تشكيلية من مختلف التخصصات.
وقد أقامت الجمعية مجموعة من المعارض داخل السودان وخارجه منها في جامعة الخرطوم كلية الآداب في عام 2000م. و في جمهورية مصر العربية بدار الأوبرا وفي قاليري راموما في نيروبي – كينيا ،و أديس أبابا في سبتمبر 2004م. في ألمانيا وبسلطنة ُعمان ايضاً ،كما قامت الجمعية بإقامة عدد من الندوات والورش في المجلس القومي لرعاية الثقافة و الفنون وغيرها من النشاطات الفنية المتعددة .

من اعمال المعرض

من رماد الحرب تولد العنقاء

جاء المعرض، الذي أُقيم على صفحة الجمعية في فيسبوك، كمساحة بديلة للفنانة السودانية كي تعرض أعمالها في وقت لا تسمح فيه الظروف بإقامة معارض فعلية. شاركت في هذا الحدث 58 فنانة تشكيلية من داخل السودان وخارجه، وقدمن أكثر من 280 عملًا فنيًا تنوّعت بين اللوحات، المنحوتات، والمنسوجات والخط العربية ، في تجربة رقمية جمعت الشتات الفني السوداني على رقعة واحدة.
ليست التسمية عشوائية. “عنقاء الرماد” هو تعبير رمزي عن فنانات اخترن أن ينهضن من وسط الحريق. فكما تعود العنقاء الأسطورية إلى الحياة من رمادها، كانت هذه الأعمال الفنية بمثابة براهين على القدرة العجيبة للفن على تجاوز الانكسارات. المعرض ليس فقط تجليًا جماليًا، بل فعل مقاومة، ورسالة ضمنية بأن الفنانة السودانية لا تزال على قيد الحلم رغم فقدان المكان،واهتزاز الأرض تحت الأقدام.
وكما افادة أستاذة فاطمة حسن احد مؤسسي جمعية التشكيليات السودانيات:
عندما توقفت الجمعية عن ممارسة النشاط ككيان لبعض الوقت لظروف مالية وإجتماعية، بالرغم من أن عضوات الجمعية لم يتوقفن عن ممارسة التشكيل بصورة فردية. وما زال التواصل بين أعضاء الجمعية مستمر في مختلف المجالات.

من اعمال المعرض

وبعد قيام الحرب في السودان أصبح غالبية النشاط إسفيرياً أو محدد في بعض الدول التي يوجد بها مجموعة من التشكيليات، مثل القاهرة ونيروبي وبعض مدن السودان الآمنة.
بدأ التفاكر بين عضوات الجمعية في إعادة إحياء نشاط الجمعية من جديد، وجاءت فكرة المعرض الاسفيرى تقدمت به الفنانة سارة البدرى كنشاط لتحريك عجلة القروب ولنعلن عن عودتنا من جديد وبقوة وتم الموافقة عليه بحماس من العضوات، ومن ثم بدأ الترتيب له والعمل إسفيريا من التشكيليات في كافة أنحاء العالم على تنظيمه، وقد تم إطلاق المعرض على صفحة جمعية التشكيليات السودانيات في الفيسبوك بتاريخ 3 يوليو 2025 م.

تم إختيار اسم طائر العنقاء على المعرض، لرمزيته كطائر أسطوري عربي يتميز بالجمال والقوة، ويحكي أنه عندما يوشك على الموت، يبني عشه في نخلة شاهقة، ثم يضرم النار في نفسه حتى يتحول إلى رماد. ومن الرماد، يولد طائر عنقاء جديد، أشد وأبقى من سلفه.

من اعمال المعرض

يرمز طائر العنقاء إلى التجدد ، والخروج من الكارثة أقوى وأذكى وأكثر قوة .بالنسبة لبعثنا من جديد او احيائنا للجمعية فهو يناسبنا تماما لأنها غابت زمان طويل، وبالنسبة للوطن سيأتى الوقت وتبعث بلادنا وتنهض من كبوتها وتبقى اقوى من اول وافضل باذن الله وربنا يقرب لينا هذا الوقت .. فعنقاء الرماد تبعث من جديد من تحت الرماد وبعد النيران بكل عنفوانها والقها.
معرض رقمي، بحضور إنساني
تم تنفيذ المعرض بطريقة مبتكرة: لكل فنانة نُشرت أعمالها في منشور خاص، يتضمن صورًا مختارة من أعمالها، ومعلومات عنها. هذه البنية أتاحت مساحة شخصية لكل مشاركة، ومنحت الجمهور فرصة للتفاعل المباشر مع العمل الفني وصاحبته، دون وسائط أو حواجز ، شكّلت شبكة تضامن إلكترونية وسط العزلة الواقعية.

تحت هاشتاق #معرض_عنقاء_الرماد

وفي خلفية هذه الأعمال، يمكن تلمّس أثر الفقد الشخصي، والتوق إلى السلام، والانتماء لجماعة فنية متماسكة رغم الشتات. كثير من الفنانات المشاركات يعشن في المهجر أو في مناطق عبور، وبعضهن يعانين من صعوبة الوصول إلى المواد الفنية، لكن المعرض كان بمثابة صوت مشترك، يردد أن الفن لا يحتاج دوماً إلى مرسم، بل يكفيه الإيمان.
لقد أكد المعرض، في صيغته البسيطة والعميقة في آن، أن الفن لا يزال ممكنًا، وأن الفنانات السودانيات قادرات على صياغة لغتهن الخاصة، حتى حين يصبح التراب رمادًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع