مقالات

وقائع .. أم أمانٍ؟

فيصل محمد صالح

تتناقل الجهات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي أخبارًا وتقارير عن جهود إقليمية ودولية تجري الآن بخطىً متسارعة لوقف الحرب وفتح الباب أمام تسوية سلمية للنزاع المتطاول في السودان، لكن تختلف التفاصيل بين جهة وأخرى.

يغلب على ظني أن كثيرًا مما كُتب في هذه الوسائل يدخل في باب الأمنيات والرغبات أقرب منه إلى الوقائع الحقيقية، فليست هناك شواهد على الأرض تَشي بقرب حدوث ما تناقلته هذه الجهات.

وعلى العكس من ذلك، فإن هناك شواهد على توترات جديدة، وربما صدامات مسلحة بين أطراف كانت تعمل في خندق واحد، لكنها كانت تعمل بالطريقة نفسها التي تعمل بها قوات الدعم السريع. ويُقال لنا إنها تحت قيادة القوات المسلحة، لكنها في حقيقة الأمر كيانات سياسية وعسكرية لديها توجهات وقيادات، وربما أهداف سياسية وعسكرية خاصة بها، قد لا تلتقي مع أهداف الجيش.

لكن، لو تم تجاوز كل ذلك، واتضح أن هناك فعلًا جهودًا لتسوية ما، فإن الحذر واجب في التعامل مع هذه التطورات، كما أن الشفافية واجبة أيضًا.

ولو كانت هناك مجموعات أو أفراد من القوى المدنية طرفًا في هذه الجهود، أو تمّت، على الأقل، مشاورتها فيما يجري، فإن عليها أن تتعظَ من تجربة السنوات السابقة، وتحرص على التمسك بثوابت أكّدتها معظم القوى المدنية خلال سنوات ما بعد الانقلاب ثم الحرب.

أول هذه الثوابت هو عدم السماح بتطاول أمد الحكم العسكري، شخوصًا ومؤسسات، تحت أية مسميات، حتى لو خلع القائد العسكري ملابسه العسكرية وجاءنا بـ”بدلة مدنية”. أي حل لا يضع القوى المدنية في موقع المسؤولية عن المرحلة القادمة لا يُعوَّل عليه.

ثم هناك مسألة الإفلات من العقاب، التي هزمت تجاربنا السابقة، ولا يجب تكرارها؛ فلا بد من تحقيق دولي في الجرائم التي جرى ارتكابها، ومحاكمة المسؤولين عنها، أياً كانت مواقعهم ومسمياتهم.

نقطة أخرى تتعلق بوضع المليشيات العسكرية المتعددة؛ فلا سلام ولا حوار ولا أمل في مستقبل الدولة ما لم يتم التشديد على حل كل المليشيات، والبدء بعملية إصلاح أمني وعسكري يؤدي إلى قيام جيش موحد بعقيدة وطنية تعكس آمال وتطلعات كل أهل السودان.

أخيرًا، فإن هناك حاجة عاجلة لحوار موسع بين كل الكتل المدنية لكسر الاحتكار والوصول إلى رؤية موحدة للعملية السياسية، وبالتالي الدخول بتصورات مشتركة تسهِّل على الوسطاء عملهم، وتُثبت جدية المدنيين وقدرتهم على إدارة المرحلة الانتقالية.

إن كانت هناك فرصة للسلام، فيجب اغتنامها؛ فوقف الحرب هو الأولوية الآن قبل بدء أي حوار حول مستقبل البلاد، لأن بيئة الحرب لن تساعد أو توفر الأجواء المناسبة للحوار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع