مقالات

حوار أهل الوجعة!!

أشرف عبد العزيز

منذ أن حطت طائرة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان في سلطنة عُمان، لم تهدأ عواصف التحليل السياسي، وتحولت منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام إلى ساحات للتكهنات التي جزمت بحدوث لقاء سري مع مسؤولين إماراتيين تحت مظلة الوساطة العُمانية.

هذا الحراك الإعلامي لم يكن عفوياً، بل عكس حالة من الترقب الشديد المشوب بالقلق، خاصة أن الردود الرسمية آثرت الصمت في بادئ الأمر، تاركةً المجال لسيناريوهات “المكتوم” لتشكّل وعي الشارع، قبل أن يخرج البرهان بنفسه، خلال معايدته لكبار ضباط الجيش، لينفي تلك التكهنات جملةً وتفصيلاً، في خطوة حملت أبعاداً عسكرية واستراتيجية واضحة لحفظ التماسك الداخلي.

ويأتي هذا النفي الرئاسي في سياق مفهوم تماماً ضمن أدبيات إدارة المعارك، حيث تمثل الروح المعنوية للقوات المقاتلة خط الدفاع الأول الذي لا يمكن المغامرة به، لا سيما بعد الهجوم غير المسبوق الذي شنه بعض الفاعلين الإعلاميين المؤيدين للجيش ضد البرهان بمجرد انتشار الشائعات، مما خلق رأياً عاماً سالباً دفع بالقائد العام إلى الاستنجاد بالشارع والتحصن باللقاءات الشعبية المباشرة لامتصاص الغضب وإعادة ترتيب الصفوف وتأكيد الثوابت.

إلا أن هذه الحادثة كشفت عن خارطة معقدة من التململ والمخاوف لدى قوى متعددة تتشارك الخوف من سيناريوهات السلام، وإن اختلفت دوافعها. وتبرز هنا حركات دارفور الموقعة على اتفاقية أبوجا، التي تعيش حالة من التوجس تضاعفت مع عودة قيادات بارزة من الدعم السريع، مثل النور القبة والسافنا، إلى المشهد، حيث باتت هذه الحركات تنظر بعين الريبة إلى أي خطوة نحو التسوية، حتى وإن كانت تعني استسلام الخصم بالكامل، خوفاً من تبدل موازين القوى واهتزاز مكاسبها السياسية والعسكرية على الأرض.

وفي المقابل، يمر التيار الإسلامي بمنعطف حرج وضع تفكيره في خانة “التحوط الذكي” بعد التصنيف الأمريكي الأخير لبعض واجهاته بالإرهاب، الأمر الذي أحدث انقساماً داخلياً عميقاً بين معسكرين؛ أحدهما متمسك باستمرار الحرب حتى نهايتها ويرى فيها طوق النجاة الوحيد والسبيل الحتمي للخلاص، ومعسكر آخر يبحث، ببراغماتية، عن تسوية تحفظ ماء الوجه وتضمن بقاء ما تبقى من التنظيم عبر تفريخ واجهات مدنية وسياسية جديدة تضمن له مقعداً في مستقبل البلاد دون إثارة الحساسيات الدولية.

ولا يمكن قراءة هذا المشهد المعقد بمعزل عن شبكات المصالح التي نمت وتغذت على هامش النزاع، حيث يقف تجار الحرب والفاسدون كحائط صد منيع أمام أي تقارب، مدركين أن صمت المدافع يعني، بالضرورة، تجفيف منابع كسبهم غير المشروع وتفكيك الإمبراطوريات المالية القائمة على معاناة المواطنين، مما يجعلهم محفزاً أساسياً لاستمرار التصعيد وضخ خطاب الكراهية لضمان ديمومة الفوضى.

إن المفارقة الصارخة تكمن في أن جميع هذه الأطراف والكتل تسوق نفسها للرأي العام بصفتها “أهل الوجعة” الحقيقيين والمتأثرين المباشرين بظلال الحرب، لكن التدقيق في مواقفها يثبت أنها تدرك تماماً أن وجعتها الكبرى ستتجسد في لحظة توقيع السلام، لأن السلام المستدام يتطلب تقديم تنازلات وطنية مريرة وتاريخية، وهي تضحيات تبدو هذه المجموعات غير مؤهلة ولا مستعدة لتقديمها على حساب مكاسبها الحزبية أو الشخصية أو الجهوية.

وبناءً على هذه المعطيات، يجد رئيس مجلس السيادة نفسه أمام الاختبار الأصعب في مسيرته، إذ لم يعد مطلوباً منه فقط إدارة العمليات العسكرية أو مخاطبة المتضررين من ويلات النزوح واللجوء، بل أصبح مطالباً بابتكار حوار استراتيجي شفاف وشجاع، قادر على إقناع النخب المتخوفة من مآلات السلام قبل إقناع الجماهير الموجوعة من الحرب، وحشد هذه القوى نحو رؤية وطنية موحدة. وإلا فإن أي محاولة للحل ستتحول إلى نسخة مكررة من الحوارات السياسية السابقة المعزولة عن الواقع، ليصبح “حوار الوجعة” مجرد صدى باهت لتجارب ماضية، مثل “حوار الوثبة”، الذي لم يورث البلاد سوى مزيد من التمزق والانسداد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع