مقالات

حركات السودان الجديد : من الاختزال الجغرافي والإثني إلى السودان لن يعود كما كان..

عبدالباقي مختار (بقة)

‏”Sudan will Never be the Same Again”

‏Dr.John Grang

في العام الذي سبق استقلال/انفصال جنوب السودان، أو انشطار السودان لدولتين، وحين أيقنت النخبة والحكومة في المركز أن الحركة الشعبية والجنوبيين عمومًا ماضون وبلا شك صوب الانفصال دون رجعة، تعمدت تلك النخبة دس سؤال خبيث وغير مسؤول في الرأي العام السوداني. وهو سؤال يحمل بين طياته الكثير من الخبث، تمت صياغته ببرود، ولقد واجهني هذا السؤال شخصيًا من بعض الصحفيين وغير الصحفيين، كما واجه معظم الشماليين في الحركة الشعبية – وأعني بهم تحديداً “شماليي النيل والمركز” الذين كانت النخبة تنظر باستنكار إلى انضمامهم لحركة قومية خرجت ببرنامج قومي لكل السودان، حركة أزمتها تكمن في الجهة والحدود الجغرافية التي خرجت منها ويقودها جنوبي.

كان هذا السؤال مادة لقطاع كبير من العاملين في الوسط الإعلامي وبعض الصحفيين، سؤال ظاهره بسيط: “ما مصير الشماليين في الحركة الشعبية لتحرير السودان في حال انفصال الجنوب؟”. لكن هذا السؤال، كما تم تداوله، لم يكن سؤالاً يبحث عن إجابة، بل حمل في طياته أحكاماً مسبقة وإيحاءات عنصرية وضيق أفق، إذ كيف يمكن لمصير فرد عادي حمله حلمه بوطن واحد يتساوى فيه الجميع، اتخذ قراره، ويمم شطر الجنوب وانضم إلى الحركة الشعبية، ليصبح السؤال عن مستقبله أو مصيره أهم من السؤال عن مصير الوطن بأكمله؟.

حضرتني مقولة ابتدر بها دكتور جون قرنق خطابه في حفل توقيع اتفاق السلام الشامل في العام 2005: ‏”Sudan will never be the same again” “السودان لن يعود كما كان أبداً”.

مقولة لم يتوقف عندها أصحاب السؤال كثيراً، غير أنها لخصت تاريخاً من الاضطهاد الإثني، الجهوي، الديني وسلاسل من العنف الممنهج تجاه الهامش، مقولة جعلت المستقبل عبارة عن مجموعة من الأسئلة المفتوحة والمتناثرة في الفضاء السياسي، أسئلة كان يجدر بهم/ بنا وبكل سوداني حادب على مصلحة الوطن سؤالها ونحن على أبواب انشطار الوطن.

في كتابة سابقة وثَّقتُ، بشكل مختصر، كيف اجتهدت ونجحت نخبة المركز في تجريد الحركة الشعبية من مشروعها القومي (السودان الجديد) واختزالها في حركة جنوبية ضيقة، وكيف استسلمت الحركة في مفاوضات نيفاشا لمنطق “حق تقرير المصير للجنوب” كمطلب أساسي في حال رفض الحكومة المركزية علمانية الدولة والتحول الديمقراطي الحقيقي، وأيضا مقابل حلول جزئية لجبال النوبة والنيل الأزرق.

وخلصت لأسئلة حقيقة كنت أعتقد أنها هي الأسئلة التي ستعني وتشغل تفكير كل سوداني مهتم أو القائمين على الرأي العام في المركز وغيره، بدلاً عن الأسئلة التي تفضح اللامبالاة وعدم الجدية في أخطر المواقف ومفترق الطرق التي يقف أمامها السودان في تلك اللحظة والآن، أمَا كان الأجدر أن نطلق الأسئلة الصحيحة: هل سيتكرر السيناريو نفسه مع حركات الهامش الأخرى (دارفور، الشرق وجبال النوبة بعد 2005)؟.

هل ستنجح الآلية ذاتها التي استخدمتها النخبة الحاكمة ضد الحركة الشعبية (التأطير الجغرافي/الإثني، وحصر المطالب في إطار ضيق، وتغذية الانقسامات الداخلية) وتقسيم الحركات عبر منابر مفاوضات لاحقة (مثل أبوجا لدارفور، الدوحة وأديس أبابا)؟ وهل وقعت حركات الهامش في “فخ نيفاشا” نفسه، حيث تم تقديم وطرح حلول جزئية لها ووعود بحكم ذاتي، تمثيل رمزي في الحكم المركزي، ووعود بالتنمية كامتياز لا كحق من حقوق تلك المناطق، مقابل التخلي عن مشروعها وطموحها في التغيير الشامل وإعادة هيكلة المركز؟ ثم ماذا كانت النتيجة بعد أكثر من عقد من الزمان؟ هل أدى ذلك إلى مزيد من التقسيم والهشاشة والانخراط في حروب جديدة أكثر وحشية (كما حدث في جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور مجددًا)؟.

سبق أن أشرتُ إلى أن الدكتور جون قرنق تبنى الجيش الشعبي، أو السلاح، باعتباره الأداة الأولى والأكثر حسماً للتغيير، بل جعله المحور الأساسي والطريق الأقصر لتحقيق مشروعه السياسي، فخلال الواحد والعشرين عام التي سيطر فيها الجيش الشعبي على مساحات شاسعة في الجنوب فقط — مساحة تعادل حجم فرنسا، كما صرح بذلك دكتور جون قرنق أكثر من مرة لوسائل إعلام إقليمية وعالمية — دعك عن وجود الجيش الشعبي في جبال النوبة والنيل الأزرق، ظل الرهان على العمل المسلّح وحده هو المهيمن بهدف الوصول إلى مركز السلطة، ثم الشروع في عمليات التغيير وإعادة هيكلة الدولة المركزية نحو “سودان جديد”.

وهنا تكمن المفارقة الجوهرية، فعلى الرغم من سعي دكتور جون قرنق إلى تجاوز منطق المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية، لكن انتهى به المطاف إلى محاكاة أسلوبها نفسه، والمتمثل في التركيز على الوصول إلى السلطة أولاً مع إهمال شبه تام لتمكين الحركة الشعبية من القيام بدورها التوعوي، وبناء كوادر صلبة تؤمن بالتغيير الشامل عبر تمليك مشروع السودان الجديد للجيش الشعبي ولجماهير مناطق سيطرته، وبناء قواعد شعبية، وكان الزمن كافياً للعمل على تغيير اجتماعي وثقافي موازٍ للعمل العسكري، مما جعل المشروع معرضاً لشكوك وأسئلة كثيرة، أهمها وقبل خطر الاختزال في البعد العسكري فقط، هل كانت رؤية المشروع وأدوات تنفيذه وحتى نصوص اتفاقية نيفاشا مرهونة بوجود دكتور جون قرنق الشخصي؟ بل صار السؤال أكبر ويتدثر بالشكوك، هل كان مشروع السودان الجديد مجرد مناورة سياسية؟.

بغياب دكتور جون قرنق عن المشهد السياسي صارت الإجابات على هذه الأسئلة وأسئلة كثيرة مبهمة والخيارات مفتوحة إذ إن الحركة الشعبية في غيابه توارت خلف زهدها في فكرة ومشروع السودان الجديد، وعملت بكد وبكل السبل من أجل الوصول إلى لحظة الاستفتاء، ودفنت برنامجها وشاحت شكلاً بوجهها عن حلفائها وعضويتها من مناطق الهامش الأخرى، وانشغلت بصراعاتها الداخلية التي ورثتها منذ حقبة الكفاح المسلح “في الغابة” وبين مجتمعات مناطق نفوذها التقليدية، مما عضَّد ودعم الشكوك حول جدية الحركة في طرحها أو جعل وجود وكينونة الحركة نفسها مرهوناً بحياة مؤسسها وصارت تتلاشى بعد غيابه.

بانقسام السودان إلى دولتين (يوليو 2011)، توزعت الحركة الشعبية لتحرير السودان بينهما، ليصبح قطاع الشمال هو الوريث الشرعي للحركة الأم في السودان الشمالي أو الوطن الأم، ويتخذ من الجيش الشعبي لتحرير السودان-قطاع الشمال جناحه العسكري المسلح في منطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق، وفي العام نفسه (2011)، اندلعت الحرب مجدداً في جبال النوبة والنيل الأزرق، إذ لم يصمد اتفاق وقف إطلاق النار بعد استقلال جنوب السودان.

فقد طالبت الحكومة السودانية بضرورة دمج قوات الجيش الشعبي في جيش الحكومة المركزية في المنطقتين أو خروجها إلى خارج حدود سودان ما بعد الانشطار، في وقت جرت فيه انتخابات شابها التلاعب لمصلحة مرشح قوى المركز، أحمد هارون (عن المؤتمر الوطني)، على منافسه عبد العزيز الحلو (الحركة الشعبية) في الانتخابات التي جرت في جنوب كردفان/ جبال النوبة، وقد رفضت الحركة الشعبية نتائج هذه الانتخابات. وتزامن ذلك مع تصاعد الشكوك حول نوايا الحكومة في تنفيذ بروتوكولات المنطقتين (جبال النوبة والنيل الأزرق) المنصوص عليها في اتفاقية السلام الشامل.

ونتيجة لهذا التصعيد السياسي والأمني، مرة أخرى تضاف لعدد المرات العديدة تبدأ دورة أخرى من العنف والصراع بنفس المطالب من الهامش وبنفس الرفض من المركز، وتندلع الحرب في جبال النوبة وتتبعها النيل الأزرق، ونعود مرة أخرى للمقولة الشائعة التي أطلقها ألبرت آينشتاين: “من الغباء أن تفعل الشيء نفسه مرارًا وتتوقع نتيجة مختلفة”، هل تعلمت الحكومة من تجربة الحركة الشعبية في جنوب السودان واتخذت الحوار سبيلاً؟. وهل تعلمت الحركة الشعبية شمال من تجربة الحركة الشعبية الأم وحركات دارفور وتمسكت بقوميتها وتفادت خطر التقسيم والانقسامات؟.

بعد أقل من سبع سنوات على اتفاقية نيفاشا، لم تتعلم النخبة والحكومة في المركز شيئًا، كما أنها لم تنسَ شيئًا، فانطبقت عليها مقولة أسرة البوربون. عادوا إلى نفس نمط التفكير والتكتيك القائم على تقسيم الآخرين لتحقيق مكاسب تكتيكية، بدلاً عن التفاوض مع الحركة ككتلة واحدة. بينما استأنفت الحركة الشعبية وعادت لنفس الأدوار التي مرت بها الحركة الشعبية الأم (1983-2005) دورات الحرب والمفاوضات وفق برنامج “السودان الجديد” ذاته، الذي في مجمله يتلخص في (علمانية، ديمقراطية، توزيع عادل للثروة والسلطة).

بعد جولات تفاوض عديدة امتدت بين عامي 2012 و2017، حاولت خلالها الحركة الشعبية الدفاع عن برنامجها، والتمسك بمرتكزاتها القومية، والدخول في تحالفات جديدة مع تنظيمات سياسية معارضة ومقاومة للحكومة العسكرية في المركز، وكذلك انتظمت الحركة أيضاً في جبهات سياسية وعسكرية مشتركة مع حركات الهامش الأخرى (في إطار الجبهة الثورية)، من أجل توسيع العمل المسلح والصمود في وجه المخططات التقسيمية التي تقودها نخب المركز. غير أن تلك التحالفات والجبهات وُلِدت ضعيفة وهشة، وسرعان ما انهارت أمام أبسط اختبارات عمل التحالف الموحد في مواجهة المركز سياسياً وعسكرياً، فانقسمت الجبهة الثورية وتصدعت، واستمرت حركات الهامش في التفاوض مع حكومة المركز عبر منابر مختلفة، ووفق برامج وتعاريف تحمل رغبات الحكومة المركزية، لا رؤية حركات الهامش.

وتكاثرت تنظيمات حركة تحرير السودان (SLM)، وانبثقت عنها مجموعات يصعب حصرها، حيث تشققت وتصدعت بعد أن تنازلت عن قوميتها، لتصبح حاملة لهويات إقليمية (حركات دارفور).

يبقى العامل المهم في نجاح الحكومة المركزية في خلق تصدعات وانشقاقات داخل الجبهة الثورية وتنظيماتها المسلحة كجبهة عبر لعبة التفاوض في منابر مختلفة وعبر إعادة تعريف الصراع من منطلق المنظور التقليدي للمركز، فتم حصر برنامج تلك الحركات وإعادة تعريفها بمشكلة دارفور فقط، وتم التعامل معها كظاهرة أمنية محلية لا كأزمة هامش ومركز أو مشكل قومي، كما عبرت عنه الحركات عند ولادتها. وبمساعدة حلفاء المركز الإقليميين قامت الحكومة في المركز بتقسيم وصناعة حركات من أجل أن تفاوضها في منبر الدوحة، ومن ثم قدمت للحركات المنشقة والحركات التي صنعتها وعوداً بحكم ذاتي، ومناصب في هياكل الدولة في المركز وأموال مقابل التجرد من لباسها القومي والقبول أو البقاء على ملابسها الجهوية.

في المقابل، اتبعت الحكومة العسكرية في المركز النهج نفسه الذي سبق أن انتهجته مع حركة تحرير السودان (SLM) في مفاوضات أبوجا، حيث اتجهت حركات دارفور لمنبر آخر في الدوحة (قطر)، اتبعت الحكومة نفس النهج مع الحركة الشعبية وحصرتها في إطار جغرافي وإثني ضيق، وعملت جاهدة على عزلها عن هويتها السودانية الجامعة، وتجريدها من قوميتها الواسعة.

بل وابتكرت مصطلح “أصحاب المصلحة” بهدف إعادة تعريف الصراع وحصره في المنطقتين وعلى مجموعات إثنية بعينها داخل المنطقتين، وذلك لتجريد الحركة الشعبية – شمال من أي أبعاد قومية، وإسقاط رؤيتها للحل الشامل، وإبعادها عن طاولة المفاوضات.

وبالفعل نجحت في توطين ذلك المفهوم في “لاوعي” الحركة الشعبية عبر آليات المفاوضات والضغط المتواصل بواسطة القوى الإقليمية والمجتمع الدولي، وكان أشد إيلاماً عبر الضغط القادم من مجتمعات المنطقتين أنفسهم ، الذين أرهقتهم الحرب، وضاقوا ذرعاً ببرنامج “السودان الجديد”، وتضاعفت تخوفاتهم أكثر بعد اندلاع الحرب الأهلية داخل جنوب السودان وبين مكونات الحركة الشعبية الأم.

بدأت الخلافات تتسرب إلى قيادات الحركة الشعبية، بالتزامن مع تسرب اليأس إلى مؤيديها من جبال النوبة في الشتات، بعد أن صارت لديهم شكوك حول جدوى برنامج الحركة الشعبية وتصلبها في التمسك بالحل الشامل. ومع اشتداد الحرب، ارتفعت بعض الأصوات المشككة في إمكانية تحقيق هذا الحل في ظل غياب مشاركة المناطق الأخرى من السودان في النزاع، واقتصار تحمّل عبء الكفاح المسلح ودفع ثمنه على مجموعات عرقية ومناطق جغرافية محددة دون سواها، مما أثار تساؤلات مشروعة حول عدالة توزيع الأعباء ومستقبل الحل الشامل ذاته، وهو ما زاد من حالة الإحباط والانقسام الداخلي، وهدد وحدة الحركة الشعبية وفي لحظات حاسمة من تاريخها.

وفي العام 2017 واجهت الحركة الشعبية نفس الأسئلة التي واجهتها الحركة الشعبية الأم في جنوب السودان واتجهت نحو حالة من الانقسام -الذي كان متوقعاً- نتيجة صراعات قيادية حادة وخلافات جوهرية حول أجندة التفاوض، فخرجت منقسمة بجناحين؛ جناح عبد العزيز الحلو، الذي حظي بتأييد واسع في جبال النوبة وأجزاء من النيل الأزرق بقيادة جوزيف توكا والمركز-مناطق خارج سيطرة الجيش الشعبي- أيضاً، وطالب بحق تقرير المصير مقابل العلمانية، وجناح مالك عقار وياسر عرمان في النيل الأزرق والمركز وتأييد ضعيف في جبال النوبة، وصار التيار الذي تمسك بالحل الشامل.

بعد توقيع فصيل مالك عقار/ ياسر عرمان لاتفاق جوبا 2020، شاركا في حكومة قوى الحرية والتغيير.

لكن بعد انقلاب البرهان 2021، عادت حركة مالك عقار/ ياسر عرمان لتنقسم مجدداَ إلى جناحين، بينما ظلت الحركة الشعبية – عبد العزيز الحلو متمسكة برؤيتها، حاملة بعضاً من الوفاء للإعلان الأول للحركة الشعبية الأم ورافعة شعار العلمانية أو حق تقرير المصير.

ومرة أخرى، أثبت التاريخ أن النخبة المركزية في السودان لم تتعلم شيئاً من تاريخها المشهور بالعنف، وعجزت عن إنتاج مشروع قومي حقيقي لإعادة بناء دولة تستوعب التنوع السوداني.

على النقيض من ذلك صارت معول هدم لأي مشروع وطني جامع، وظل عجزها يتجلى يومياً في إنتاج أدوات العنف الممنهج كتفريخ المليشيات القبلية وعسكرة المجتمعات المحلية، سعياً منها للحفاظ على مركزية السلطة والثروة، في وقت تتزحزح فيه الأرض من تحت أقدامها وتتعفن من الداخل.

أما حركات الكفاح المسلح في الهامش، فلا تقل عجزاً عن تلك النخبة. فرغم تضحياتها ووضوح رؤيتها ومشروعها، ظلت حبيسة الاختزال الجغرافي والإثني، وقد صارت ضحية صراعات داخلية بين الاستسلام لهذا الاختزال أو التمسك برؤية تفكيك المركز وإعادة بناء الدولة المركزية على أسس جديدة، وفي النهاية، تستسلم لخلافات تغذيها نخب وحكومة المركز ووهن الحرب، لتذهب نحو نفس المصير الذي آلت إليه الحركة الأم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع