لم يفاجأ أحد حين صدر قرار مجلس سيادة الإنقلاب غير الشرعي رقم ( 230) لسنة 2026 بتعيين خمس قضاة أعضاء بالمحكمة الدستورية، لإلحاقهم برئيس المحكمة المعين من قبل نفس الجهة غير الشرعية منذ العام الماضي. فالسلطة غير الشرعية بحاجة لإستكمال البناء غير الدستوري لها بمؤسسات غير دستورية، لشرعنة إنقلابها وحربها وحماية تشريعاتها وقراراتها غير الدستورية، واستباق أي تسوية مفروضة عليها بخلق جهات تحميها وتدافع عنها، تساوم بها عند التفاوض، وتصر على بقائها مستقبلا تحت دعاوى إستقلال القضاء وعدم المساس به من قبل السلطات السياسية الإنتقالية، تماما مثلما منعت إعادة هيكلة الهيئة القضائية في فترة سلطة شبه المدنية السابقة، ودافعت عن هيئة الإنقاذ القضائية المسيسة وغير المستقلّة دفاعا عن إستقلال القضاء، فتأمل.
وبالعودة إلى نص القرار المذكور الصادر في 30 يونيو 2026م، في ذكرى إنقلاب الإنقاذ المشؤوم ، لإعطائه رمزية واضحة تؤكد طبيعته غير الشرعية الإنقلابية المؤكدة لعودة التمكين، نجد أنه قد إستند إلى تعديل الوثيقة الدستورية المعيبة الصادر بصورة غير شرعية وغير دستورية في العام 2025، وتحديدا المادتين (10-1) و (12-1)، والأولى تتعلق بوصف مجلس السيادة بأنه أحد أجهزة الحكم الإنتقالي، والثانية معدلة في العام 2025م لتعطي هذا المجلس الذي لم يكن لديه قبل الإنقلاب سلطة التعيين بل الإعتماد فقط، لتصبح فقرتها (و) تقرأ كما يلي: “تعيين وإعفاء رئيس القضاء ونوابه ورئيس وأعضاء المحكمة الدستورية بعد ترشيحهم من مجلس القضاء العالي، ولحين تشكيل مجلس القضاء العالي يعينهم مجلس السيادة”.
ولسنا في حاجة للقول بأن هذا القرار باطل، لأن أي طالب يدرس مادة القانون الدستوري في السنة الأولى من دراسته، يعلم بطلانه وعدم دستوريته من عدة وجوه:
1- القرار غير دستوري لأنه صادر بناءا على تعديل للوثيقة الدستورية المعيبة في العام 2025 غير دستوري، صدر بالمخالفة للمادة (78) من الوثيقة الدستورية التي كانت تنص في الأصل على أن سلطة تعديل الوثيقة الدستورية المعيبة يملكها المجلس التشريعي فقط وبأغلبية الثلثين، والمجلس المذكور لم يتشكل حتى هذه اللحظة، ومن قام بتعديل الوثيقة هو مجلس سيادة الإنقلاب والحكومة التابعة له، وهما مجتمعين ليس لديهما صفة في تعديل الوثيقة المذكورة، وتعديلهما لها باطل وغير دستوري، وجميع القرارات التي تبنى عليه باطلة وغير دستورية، إستنادا إلى القاعدة الأصولية “ما بني على باطل فهو باطل”.
2- القرار صادر عن مجلس سيادة الإنقلاب الذي تم في اكتوبر 2021 وقوض الوثيقة الدستورية وجمد موادها ومن ثم عدلها لاحقا دون صفة، وهذا المجلس ليس هو المجلس الشرعي والدستوري الذي نصت عليه الوثيقة الدستورية المعيبة، حيث قام الإنقلابيون بطرد أعضاء المجلس المدنيين، وغيروا تركيبته بمنع القوى المدنية من تعيين ممثليها، وعينوا آخرين ترشحهم قوى إتفاق جوبا مع تمثيل المرأة والأقاليم. وهذا المجلس غير الشرعي لا يملك صفة دستورية بالأساس حتى وان إفترضنا جدلا ان له سلطة تعيين قضاة المحكمة الدستورية وهو لا يملك هذه السلطة حتما ولو كان شرعياً ودستوريا.
3- القرار باطل لأنه يفقد المحكمة الدستورية إستقلاليتها المنصوص عليها في المادة (31-1) من الوثيقة الدستورية المعيبة ساري المفعول حتى الآن، لأنه صادر من سلطة إنقلابية تملك السلطتين التنفيذية والتشريعية، وتملك تعيين القضاة وعزلهم ، في جمع يفقد أي سلطة إستقلاليتها ويجعلها تابعة لسلطة تجمع جميع السلطات في يدها وتخالف مبدأ الفصل بين السلطات.
ولأن من صاغ القرار يعلم بطلانه وعدم دستوريته، إستبق إسناده إلى المواد المذكورة من الوثيقة الدستورية المعيبة أعلاه الأصلية والمعدلة، بإسناده إلى أحكام المرسوم الدستوري رقم (38) لسنة 2019 الصادر من مجلس إنقلاب القصر الأول الذي أزاح الرئيس المخلوع والسابق للوثيقة الدستورية بصفة أصلية وأولية، وهو إسناد أكثر بطلانا وعدم دستورية من الإسناد لأحكام الوثيقة الدستورية المعيبة المعدلة لما يلي من أسباب:
أ- المادة رقم (2) من الوثيقة الدستورية المعيبة قبل تعديلها غير الدستوري، نصت على سيادة احكام الوثيقة على المراسيم الدستورية التي سبقتها في حال التعارض. وهذا هو النص الذي إعتمده المرسوم باعتماده للوثيقة الدستورية المعيبة وأسند شرعيتها التقنينية للإنقلاب وكان من أهم عيوب الوثيقة.
ومن الطبيعي أن هذا المرسوم لا يتعارض مع الوثيقة المعيبة التي اعتمدها ولا يعطي مجلس الإنقلاب الحالي أي سلطة لتعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية ، لأنه يضفي الشرعية على الوثيقة الدستورية المعيبة نفسها التي تخصص هذه السلطة لجهة اخرى.
ب- المادة (2) من الوثيقة الدستورية المعيبة لم يتم تعديلها او إلغائها بموجب تعديلات العام 2025 غير الدستورية، مما يعني أنه حتى وإن كانت أحكام المرسوم الدستوري تعطي مجلس الإنقلاب الحالي سلطة التعيين، فهذا يتعارض مع نص المادة المذكورة، ويحتم القضاء ببطلان وعدم دستورية القرار بتعيين قضاة المحكمة الدستورية ايضاً.
وبالرغم من كل ما تقدم ووضوح عدم شرعية ودستورية قرار التعيين، خرج علينا مستشار الإنقلابي المزمن السياسي بتصريح منشور في الأسافير حول التعيين، يصفه بأنه إستكمال لبناء الهيئات الدستورية المستقلة، متناسيا أن الهيئات الدستورية المستقلة لا تبنى عبر القرارات غير الدستورية الصادرة من سلطة إنقلابية غير دستورية وغير شرعية!! فالقرار غير الدستوري الموضح بطلانه أعلاه، صادر عن سلطة غير دستورية لا تملك حق إصداره، مكونًا لهيئة غير مستقلة بحكم تكوينها، وبحكم قبول قضاتها التعيين من جهة غير دستورية لحماية دستور معدل بصورة غير دستورية.
ولامتحان هذه المحكمة غير الدستورية وتأكيد عدم إستقلاليتها، ندعو القانونيين الشرفاء في بلادي لتقديم أول طعون دستورية أمامها تتمثل في ما يلي:
1- عدم دستورية تعديلات الوثيقة الدستورية المعيبة الصادرة في العام 2025 لمخالفتها المادة (78) من الوثيقة الدستورية.
2- عدم دستورية تعيين رئيس وقضاة المحكمة الدستورية لصدوره بناءا على تعديلات غير دستورية للوثيقة الدستورية.
3- عدم دستورية تشكيل مجلس السيادة الحالي لمخالفته المادة (١١) من الوثيقة الدستورية قبل التعديل غير الدستوري.
4- عدم دستورية القوانين الصادرة منذ انقلاب العام 2021 لصدورها من غير ذي شرعية وغير ذي صفة.
ونحن نرجح منذ الآن أن النتيجة ستكون إما رفض تصريح العريضة او شطبها لعدم توفر شرط المصلحة أو القضاء بشرعية الإنقلاب وتقويض النظام الدستوري وجميع ما ترتب على ذلك من تمكين.
الخلاصة هي انه من المستحيل بناء مؤسسات دستورية مستقلة في ظل انقلاب عسكري قوض الدستور وإغتصب السلطات الثلاث، وعلى السلطة المدنية الإنتقالية القادمة، حل جميع الهيئات غير الدستورية المعينة، وبناء اجهزة عدلية تليق بالوطن والمواطنين.
وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله !!