مقالات

تناقضات درف

فيصل محمد صالح

يشغل السيد عبد الله محمد درف منصب وزير العدل في حكومة السيد كامل إدريس، ويطلق من خلال موقعه هذا كثيرًا من التصريحات عن جهد حكومته في توثيق الجرائم التي ارتكبها الدعم السريع في مناطق كثيرة من السودان. وكان آخر هذه التصريحات ما تحدث فيه عن أن لديهم ملفات كاملة أُعدت بصورة قانونية بشأن هذه الجرائم. وأنقل من الخبر المرفق:

“أعلن وزير العدل السوداني، د. عبد الله درف، أن اللجنة العليا للدعاوى الدولية تعمل على مسارات قانونية جديدة لمقاضاة حكومة الإمارات أمام المحاكم الدولية، بما فيها محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، ومحاكم أمريكية، بتهمة التورط في دعم المليشيا المتمردة لارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في الفاشر والجنينة والجزيرة.

وكشف وزير العدل عن مذكرة تفاهم مع المحكمة الجنائية الدولية بشأن الانتهاكات في إقليم دارفور، مطالبًا المحكمة بالإسراع في إصدار أوامر قبض بحق قادة المليشيا، موضحًا أن هذا التعاون يأتي في إطار المذكرة الخاصة بجرائم دارفور، كون السودان ليس عضوًا في نظام روما الأساسي.”

حسنًا، يتوافق وزير العدل في حكومة إدريس صراحة مع الرأي القائل إن الآليات الوطنية غير قادرة، في مثل هذه الظروف، على محاكمة مرتكبي الانتهاكات التي تتراوح بين جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية؛ ولذلك يتم اللجوء إلى الآليات الدولية، ومنها المحكمة الجنائية الدولية، علمًا بأن للحكومة تجربة سابقة في اللجوء إلى محكمة العدل الدولية انتهت بالفشل.

طيب.. وماذا عن الاتهامات الموجهة إلى الطرف الحكومي بأنه ارتكب انتهاكات وجرائم تدخل تحت هذا التوصيف؟ الرد الحكومي هو النفي: “نحن لم نرتكب مثل هذه الجرائم، وهذه إشاعات مغرضة”.

لكن، هل سيتاح للآليات الدولية، التي اشتكيتم إليها بشأن جرائم الدعم السريع، أن تحقق أيضًا فيما يُتهم به الطرف الحكومي من جرائم؟ الإجابة: لا. ويصاحب ذلك أحاديث متكررة في مواقع ومناسبات مختلفة بأن على المتضرر أن يلجأ إلى القضاء السوداني “العادل”.

ما هو يا سيدي؟ إما أنك قادر على التحقيق، وتحديد المسؤولين، ومحاكمة كل من ارتكب جرائم وانتهاكات خلال الحرب، أيًّا كان، وإما أنك غير قادر، وعندها تلجأ إلى الآليات الدولية، وتقبل بإجراءاتها التي لن تكتفي بملفاتك وتصريحاتك، وإنما ستجري تحقيقات ميدانية، وتطلب منك ومن الدعم السريع تسليم المتهمين.

والمضحك هو جواب السيد وزير العدل عندما قيل له إن المحكمة سبق أن أجرت تحقيقات في جرائم الحرب في دارفور، ووجهت الاتهام إلى ثلاث شخصيات يُفترض أنها تحت حماية حكومة كامل إدريس، فهل ستقومون بتسليمهم؟ أجاب بالنفي، لأن الحكومة ليست عضوًا في المحكمة، ولن توقع على نظام روما الأساسي الذي أنشأ المحكمة.

هذه مسرحية كوميدية سخيفة، من نوع المضحك المبكي، لن تعجب أحدًا، ولن تجذب جمهورًا، ولا تكشف إلا عن جهل مريع وتناقض فادح. فآليات العدالة الدولية ليست إدارة تتبع لوزارتك، ولا تأتمر بأوامرك. إما أن تقبل بها قبولًا كاملًا، أو ترفضها وترفض التعامل معها بالكامل، وتتحمل مسؤولياتك بعد ذلك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع