لم تكن المعسكرات الواقعة على الحدود السودانية الإثيوبية مهيأة لأن تصبح جزءًا من خرائط القتال. فقد أقيمت أساسًا لتكون ملاذًا للفارين من الحرب، ومساحة آمنة لمن حملوا حقائبهم الصغيرة وتركوا خلفهم قرى مدمرة وذاكرة مثقلة بالخوف. لكن مع تجدّد المواجهات في إقليم تيغراي الإثيوبي، وجدت هذه المعسكرات نفسها مرة أخرى في مواجهة خطر لم تهرب منه أصلًا.
فمساء الجمعة 31 يوليو 2026، عبرت مقذوفات نيران الاشتباكات الدائرة بين الجيش الإثيوبي وقوات إقليم تيغراي الحدود، وسقطت داخل معسكرات للاجئين تقع في الأراضي السودانية، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى بين مدنيين كانوا قد قطعوا الحدود بحثًا عن الأمان. لم تكن الحادثة مجرد طارئ عسكري عابر، بل كشفت هشاشة منطقة تقف عند تقاطع أكثر من أزمة: نزاع إثيوبي لم تُغلق ملفاته بالكامل، وحرب سودانية مستمرة منذ 15 أبريل 2023، وحدود ظلت لعقود مساحة مفتوحة للتوترات والنزاعات.
في شرق السودان، حيث تنتشر معسكرات اللجوء على امتداد الشريط الحدودي، تبدو الجغرافيا نفسها وكأنها تحمل عبء الصراعات المحيطة بها. فاللاجئون الذين فرّوا من حرب تيغراي قبل سنوات، وجدوا أنفسهم قريبين مرة أخرى من أصوات المدافع، في مشهد يعيد طرح سؤال قدرة المناطق الحدودية على الصمود عندما تتجاور الحروب وتتداخل مساراتها.
أزمة تتجاوز المعسكرات
لم تتأخّر الخرطوم في التعبير عن قلقها. فقد أصدرت وزارة الداخلية السودانية بيانًا حذّرت فيه من التداعيات الأمنية والإنسانية لامتداد العنف إلى محيط معسكرات اللاجئين، مؤكّدة أن وصول آثار الاشتباكات إلى هذه المناطق يمثل تهديدًا مباشرًا للمدنيين، ويضاعف من تعقيدات الوضع الإنساني في المنطقة.
وأوضحت الوزارة أن الاشتباكات أسفرت عن سقوط ضحايا داخل المعسكرات، داعية الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والمنظمات الدولية والإقليمية إلى التدخّل العاجل لاحتواء التصعيد، وتأمين مواقع اللجوء، ومنع اتساع رقعة الصراع. كما أكّدت أن السلطات السودانية تتابع التطورات عن كثب، وتتخذ التدابير اللازمة لحماية الحدود وتجنيب المدنيين تبعات المواجهات.
وبعد يومين، أصدرت معتمدية اللاجئين التابعة لوزارة الداخلية الأحد الماضي بيانًا أكّدت فيه متابعتها بقلق بالغ للتطورات، مشيرة إلى أن الشريط الحدودي يمثّل منطقة عبور واستقبال رئيسية لطالبي اللجوء القادمين من إثيوبيا. المعتمدية حذّرت أيضًا من أن استمرار الحشود العسكرية قرب الحدود قد يؤدي إلى تدفقات جديدة من اللاجئين، ويرفع من حدّة المخاطر الأمنية والإنسانية على المدنيين في المعسكرات ومحيطها، مناشدة المجتمع الدولي والإقليمي والأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية توفير الحماية والاحتياجات العاجلة لمنع تفاقم الأزمة.
وتكمن حساسية الموقف في أن المعسكرات المتأثرة تقع داخل الأراضي السودانية، وتضم مئات اللاجئين، معظمهم من الإثيوبيين، ما يجعل أي تصعيد عسكري قريب من الحدود تهديدًا مباشرًا لمن لجأوا إليها بحثًا عن الأمان.
سلام هش يعود للتصعيد
التصعيد الأخير يأتي بعد أقل من أربع سنوات على توقيع اتفاق بريتوريا في 2 نوفمبر 2022، الذي أنهى الحرب بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، وهي الحرب التي استمرت عامين وخلّفت، بحسب تقديرات الاتحاد الإفريقي، مئات الآلاف من القتلى. لكن السلام الذي أوقف المدافع لم يُنهِ جذور الخلاف. فقد ظلّت التوترات قائمة حول تنفيذ بنود الاتفاق، ومستقبل المناطق المتنازع عليها، وترتيبات السلطة والأمن في الإقليم. ومع مطلع عام 2026 بدأت اشتباكات محدودة تعود إلى الواجهة، قبل أن تتصاعد خلال أواخر يوليو 2026 بالقرب من الحدود السودانية.
وبحسب قيادات في جبهة تحرير شعب تيغراي، فإن القوات الحكومية الإثيوبية شنّت هجومًا على مواقع للجبهة في منطقة شيرينا القريبة من الحدود السودانية، مستخدمة أسلحة ثقيلة، فيما تواصلت المواجهات في مناطق متنازع عليها بغرب الإقليم.
ومع استمرار تبادل الاتهامات بين الطرفين، تتزايد المخاوف من انهيار التهدئة الهشّة والعودة إلى مواجهة أوسع تعيد إنتاج سيناريو الحرب التي شهدها الإقليم بين عامي 2020 و2022، وتدفع بمزيد من المدنيين نحو الحدود السودانية.
حدود تحمل أكثر من أزمة
غير أن خطورة التطورات لا تكمن فقط في عودة القتال داخل تيغراي، بل في وقوعها فوق أرضية إقليمية مضطربة أصلًا. فالحدود السودانية الإثيوبية ظلّت خلال السنوات الماضية مسرحًا لملفات خلافية معقّدة، أبرزها النزاع حول منطقة الفشقة، إلى جانب توترات سياسية وأمنية متكرّرة بين البلدين.
وتحدّثت مصادر عن تحركات عسكرية إثيوبية داخل الأراضي السودانية في قطاع أم براكيت بمنطقة الفشقة الكبرى، بالتزامن مع التطورات العسكرية داخل السودان، ما يعكس هشاشة الوضع الأمني على طول الحدود الشرقية، ويزيد من تعقيد المشهد الإنساني في منطقة تستضيف واحدة من أكبر تجمعات اللاجئين في شرق إفريقيا.
فالحدود السودانية الإثيوبية لم تعد مجرد خط فاصل بين دولتين، بل تحوّلت إلى مساحة عبور مزدوجة الاتجاه للفارين من النزاعات؛ إذ تستقبل الأراضي السودانية لاجئين إثيوبيين فرّوا من تيغراي وأقاليم أخرى، في وقت وثّقت فيه منظمات حقوقية أوضاع لاجئين سودانيين داخل الأراضي الإثيوبية بسبب تجدّد أعمال العنف هناك.
وتزداد صعوبة المشهد مع استمرار الحرب السودانية التي أنهكت مؤسسات الدولة وقدرتها على الاستجابة للأزمات، ما يجعل حماية المعسكرات وتأمين المناطق الحدودية تحدّيًا متزايدًا، ويزيد الحاجة إلى تدخل دولي يضمن حماية المدنيين ويمنع تحول هذا الشريط الحدودي إلى ساحة صراع مفتوحة.
بين احتواء التصعيد وخطر الانفجار
حادثة سقوط المقذوفات داخل معسكرات اللاجئين تكشف أن الحروب لا تبقى دائمًا داخل حدودها السياسية، وأن المدنيين غالبًا ما يكونون أول من يدفع ثمن الصراعات التي لا يملكون فيها قرارًا.
وعلى الرغم من عدم وجود مؤشرات على أن سقوط المقذوفات كان استهدافًا مباشرًا للأراضي السودانية، فإن الحادثة تكشف خطورة اقتراب العمليات العسكرية من مناطق وجود المدنيين، وتبقي احتمال تكرار مثل هذه الوقائع قائمًا ما دامت قوات الطرفين متمركزة على مقربة من الحدود.
ويبقى مستقبل المنطقة رهنًا بقدرة الأطراف الإثيوبية على احتواء التصعيد ومنع انهيار اتفاق السلام، وبمدى استعداد المجتمع الدولي للتحرّك قبل أن تتحوّل معسكرات اللجوء من أماكن للحماية إلى ساحات جديدة تدفع ثمن حروب الآخرين.
ففي شرق إفريقيا، لم تعد الحدود مجرد خطوط تفصل بين الدول، بل أصبحت مساحة تتقاطع فيها ذاكرة الحرب، وحركة النزوح، وصراعات السياسة والسلاح، لتضع المدنيين مرة أخرى في قلب العاصفة.