تقارير

بين الاعتقال والاختفاء والملاحقة .. الصحافة السودانية تدفع ثمن الحرب

الدوحة - مشاوير / تقرير : مجدي علي

لم تعد الاعتقالات والملاحقات التي تطال الصحفيين السودانيين وقائع عابرة في سياق الحرب، بل أصبحت جزءًا من مشهد متصاعد يكشف حجم الخطر الذي يواجه مهنة تقوم بدور أساسي في نقل الأحداث وتوثيق الحياة اليومية في بلد يعيش واحدة من أعقد الحروب في تاريخه الحديث.

ومع تراجع مساحة العمل الصحفي، وتحوّل العديد من الصحفيين إلى أهداف مباشرة، لم تعد المعركة تدور فقط حول الوصول إلى الخبر، بل حول حماية من يحاولون نقل الحقيقة.

وفي تطوّر جديد يعكس تصاعد المخاطر التي تواجه الصحفيين السودانيين، اعتُقل يوم الأحد الماضي الصحفي الريح عصام جكسا عند مدخل مدينة ود مدني بولاية الجزيرة، أثناء عودته من تغطية صحفية في منطقة الحصاحيصا. وبحسب بيان نقابة الصحفيين السودانيين الصادر في 3 أغسطس 2026، أوقفته قوّة تتبع لـ(قوات درع السودان) واقتادته إلى جهة غير معلومة، في وقت لم تتوفّر فيه معلومات مؤكّدة بشأن مكان احتجازه أو ظروفه الصحية.

اعتقال الريح عصام جاء في وقت تتابع فيه النقابة بقلق أوضاع ثلاث صحفيات معتقلات لدى (قوات الدعم السريع) في مدينة نيالا منذ فبراير 2026، وهنّ إشراقة عبد الرحمن، وزهراء محمد الحسن، ومواهب إبراهيم، بعد تقارير تحدّثت عن تدهور أوضاعهنّ الصحية، وسط مطالبات بالسماح لهنّ بتلقّي العلاج وضمان سلامتهنّ.

وتزامنت هذه التطوّرات مع احتجاز مراسلة (قناة الشرق) مها التلب والتحقيق معها في بورتسودان قبل أيام، وترحيل الصحفي نادر عطا من الخرطوم إلى بورتسودان على خلفية مقال صحفي، إلى جانب الجدل الذي أثارته أوامر قبض بحق عدد من الصحفيين والإعلاميين بسبب نشر أو إعادة نشر تحقيق يتناول مزاعم فساد.

ولا تمثّل هذه الوقائع الأخيرة حالات منفصلة، بل تكشف عن نمط أوسع من الضغوط التي يواجهها الصحفيون السودانيون، حيث لم يعد الصحفي مجرّد ناقل للأحداث، بل أصبح في كثير من الأحيان جزءًا من دائرة الخطر نفسها التي يحاول توثيقها.

الشاهد تحت النار

منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تعرّض المشهد الإعلامي السوداني لهزّة عميقة. فقد امتدّت آثار الصراع من المدن والمؤسسات إلى الصحفيين أنفسهم، الذين أصبحوا عرضة للقتل والاعتقال والتهديد والاختفاء والنزوح.

ولم تقتصر خسائر الحرب على الجانب البشري، بل طالت البنية الإعلامية التي تمثّل ذاكرة المجتمع ووسيلته لمعرفة ما يجري. فقد تعرّضت مقار مؤسسات صحفية وإذاعية وقنوات للنهب والتخريب، وتوقّفت مؤسسات إعلامية عن العمل بسبب فقدان المعدّات، وصعوبة الوصول إلى المعلومات، وغياب البيئة الآمنة لممارسة المهنة.

وتشير تقديرات نقابية وحقوقية إلى أن ما بين 80 و90% من البنية التحتية الإعلامية في السودان تعرّضت للتدمير أو التوقّف، فيما توقّفت أكثر من 20 صحيفة ورقية سياسية ورياضية عن الصدور، في ضربة قاسية للصحافة المطبوعة التي كانت لعقود إحدى أهم أدوات تشكيل الرأي العام في البلاد.

ولم يكن فقدان المؤسسات الإعلامية خسارة مادية فقط، بل أدى إلى غياب غرف الأخبار التي كانت تضطلع بدور أساسي في التحقّق من المعلومات، وإنتاج المحتوى المهني، وحفظ أرشيف الأحداث والتحوّلات الاجتماعية والسياسية.

الأرقام تختصر الأزمة

تكشف الأرقام حجم الخسائر التي تعرّض لها القطاع الإعلامي منذ بداية الحرب. ووفقًا لحصيلة وثّقتها نقابة الصحفيين السودانيين، قُتل 32 صحفيًا، فيما سُجّل 556 انتهاكًا بحق العاملين في مجال الإعلام، شملت القتل والاعتقال والاحتجاز والتهديد وغيرها من أشكال التضييق المرتبطة بممارسة المهنة.

ولا تمثّل هذه الأرقام مجرّد إحصاءات، بل قصصًا لصحفيين فقدوا حياتهم أو حريتهم أو قدرتهم على ممارسة عملهم. فبعضهم يواجه خطر الاعتقال المباشر، بينما يواجه آخرون صعوبات يومية تتمثّل في انقطاع الاتصالات، وصعوبة التنقّل، ومخاطر الاتهام والانحياز من أطراف النزاع.

كما خلّفت الحرب موجة نزوح واسعة في صفوف الصحفيين، إذ اضطر عدد كبير منهم إلى مغادرة مناطقهم أو اللجوء إلى دول الجوار، خاصة مصر، حيث ظهرت تجارب إعلامية رقمية جديدة تحاول الحفاظ على حضور الصحافة السودانية من خارج البلاد.

غير أن الانتقال إلى المنفى لم يكن حلًا سهلًا، فالصحفيون واجهوا تحدّيات تتعلّق بضعف الموارد والتمويل، وغياب الاستقرار، وصعوبة بناء شبكات جديدة للمصادر. أما الصحفيون الذين بقوا داخل السودان، فقد وجدوا أنفسهم أمام واقع شديد التعقيد، يعتمدون في كثير من الأحيان على الجهود الفردية والمنصّات الرقمية، وسط ضعف الإمكانات وانقطاع الإنترنت وصعوبة التحقّق من المعلومات في بيئة تسيطر عليها الدعاية والاستقطاب.

القانون في مواجهة الصحافة

تكشف حالات الاعتقال والاستدعاء الأخيرة أن الضغوط على الصحفيين لم تعد مرتبطة فقط بلحظة التغطية، بل تمتد إلى ما بعدها عبر التحقيقات والبلاغات والاحتجازات، وأحيانًا الاختفاء دون معلومات واضحة للأسر والزملاء.

وترى نقابة الصحفيين السودانيين ومنظمات حقوقية أن استخدام الإجراءات القانونية ضد الصحفيين بسبب أعمال النشر أو التغطية قد يتحوّل إلى وسيلة ضغط وتقييد لحرية التعبير. وفي المقابل، تؤكّد الجهات الرسمية أن الإجراءات المتخذة بحق بعض الصحفيين تأتي في إطار القانون والتحقيق في بلاغات أو مخالفات محدّدة، وليس بهدف التضييق على الصحافة.

وبغضّ النظر عن المبرّرات التي تعلنها الجهات المختلفة، فإن استمرار توقيف الصحفيين أو احتجازهم في ظروف غير واضحة يثير مخاوف متعلّقة بحرية العمل الصحفي وحق الصحفيين في ممارسة مهنتهم بأمان.

ويرى مراقبون أن حماية الصحفيين خلال الحرب تحتاج إلى إجراءات عملية تضمن سلامتهم، وتحمي حقهم في الوصول إلى المعلومات، والتحقيق في الاعتداءات ومحاسبة المسؤولين عنها، لأن حماية الصحافة تمثّل حماية لحق المجتمع في المعرفة.

أزمة التمثيل النقابي

لم تبدأ أزمة الصحافة السودانية مع الحرب وحدها، فقد سبقتها سنوات طويلة من الجدل حول استقلال العمل النقابي والجهة التي تمثّل الصحفيين، في ظل علاقة معقّدة بين المهنة والسلطة. فمنذ عام 1989، أُلغيت النقابات المنتخبة، وحلّت محلها اتحادات مهنية خضعت لنظام التسجيل والرقابة الرسمية، وكان من أبرزها الاتحاد العام للصحفيين السودانيين الذي أصبح الجسم النقابي المعتمد للصحفيين خلال تلك المرحلة.

وظلّ ملف استقلال النقابة المهنية قضية محورية داخل الوسط الصحفي، باعتبار أن وجود جسم نقابي مستقل يمثّل أساسًا للدفاع عن حرّية الصحافة وحماية العاملين في المجال الإعلامي.

وبعد ثورة ديسمبر 2018، عاد النقاش حول إعادة بناء الجسم النقابي للصحفيين إلى الواجهة، ضمن مطالب بإعادة تأسيس المؤسسات المهنية على أسس ديمقراطية ومستقلة.

وتوّج هذا المسار بانتخاب نقابة الصحفيين السودانيين في أغسطس 2022، في أول انتخابات حرّة للصحفيين منذ عقود، حيث فاز عبد المنعم أبو إدريس بمنصب النقيب. غير أن قيام النقابة الجديدة لم يُنهِ حالة الجدل داخل الوسط الصحفي، إذ رفض الاتحاد العام للصحفيين السودانيين الاعتراف بها واعتبرها جسمًا موازيًا، بينما أكّدت النقابة المنتخبة أنها تستند إلى إرادة الصحفيين عبر عملية انتخابية حرّة، وتسعى إلى استعادة استقلال العمل النقابي وتعزيز دور الصحفيين في الدفاع عن مهنتهم وحقوقهم.

ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، تراجعت الخلافات النقابية أمام حجم المخاطر المباشرة التي واجهها الصحفيون من اعتقالات وتهديدات ونزوح وتوقّف للمؤسسات الإعلامية، إلا أن استمرار تعدّد الأجسام النقابية وتباين مواقفها أثّر في قدرة القطاع الصحفي على التحرّك بصورة موحّدة في مواجهة الانتهاكات.

كما أعاد هذا التشتّت طرح أسئلة حول استقلال بعض الأجسام المهنية وقدرتها على تمثيل الصحفيين بعيدًا عن التأثيرات السياسية، في وقت أصبح فيه الإعلام نفسه جزءًا من المشهد المتوتّر بين أطراف الصراع.

صمود الشاهد الأخير

رغم الانهيار الكبير، واصل الصحفيون السودانيون محاولاتهم للحفاظ على مهنتهم عبر منصّات ومواقع رقمية مستقلّة سعت إلى توثيق الحرب، ونقل أصوات المدنيين، ورصد الانتهاكات، فيما واصلت نقابة الصحفيين السودانيين جهودها في الدفاع عن حرّية الصحافة وتوثيق ما يتعرّض له العاملون في الإعلام. وقد منحت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) نقابة الصحفيين السودانيين (جائزة اليونسكو/غييرمو كانو العالمية لحرّية الصحافة لعام 2026)، تقديرًا لدورها في حماية الصحفيين وتوثيق الانتهاكات خلال الحرب.

غير أن تراجع الصحافة المهنية لم يكن مجرّد خسارة للمؤسّسات والعاملين فيها، بل خلّف فراغًا إعلاميًا أتاح انتشار خطاب يقوم على الإثارة والاستقطاب وتداول معلومات غير موثوقة، في ظل غياب غرف الأخبار القادرة على التحقّق والتحليل ووضع الأحداث في سياقاتها.

وبين الاعتقال والاختفاء والملاحقة والنزوح، يخوض الصحفي السوداني معركة يومية للحفاظ على حضور الحقيقة في بلد تهدّد الحرب بمحو تفاصيل مأساته. فاستهداف الصحافة لا يعني تقييد العاملين فيها فقط، بل يهدّد حق المجتمع بأكمله في المعرفة وفهم ما يجري من حوله.

ومع اتساع فوضى المعلومات وتصاعد خطاب الدعاية والنشر غير المهني، تصبح مهمّة الصحفي أكثر صعوبة، ويغدو الدفاع عن الحقيقة نفسها جزءًا من معركة البقاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع