تستمر المفاجآت القاسية في الهطول على رؤوس السودانيين كالمسيرات الانتحارية التي تخطئ أهدافها العسكرية لتستقر فوق أجساد المواطنين، الإنهاك والفقر وانقطاع التيار الكهربائي، في وقت يصر فيه طرفا النزاع على المضي قدمًا في المعركة دون أدنى اعتبار للكلفة الإنسانية والأخلاقية.
وعلى وقع العقوبات الأمريكية والأوروبية المتلاحقة التي انهمرت على حكومة الأمر الواقع، والاتهامات الخطيرة المتعلقة باستخدام السلاح الكيماوي، وجد أصدقاء الحكومة أنفسهم أمام ناقوس خطر داوٍ، يستوجب التحرك العاجل لرسم ترتيبات سياسية متواكبة مع تطلعاتهم وتطلعات القيادة العسكرية، عبر هندسة توافق وطني يصنع غطاءً للجنرال عبد الفتاح البرهان ويضمن بقاءه على رأس السلطة.
تتجلى ملامح هذه الهندسة في السلسلة المكثفة من التفاهمات واللقاءات التي شملت طيفًا واسعًا من القوى والمكونات المؤثرة، حيث امتدت المشاورات لتشمل حزب الأمة عبر مجموعتي الدومة وعبد الرحمن الصادق المهدي، مرورًا بقوى الميثاق الوطني في الكتلة الديمقراطية، وصولًا إلى تنظيمات الشباب الفعلية كمجموعة غاضبون، ورموز دبلوماسية كالسفير نور الدين ساتي، ناهيك عن الطرق الصوفية والدراميين والشخصيات العامة.
وتسعى هذه اللقاءات إلى صياغة مظلة سياسية جديدة تعيد ترتيب الأوراق وتفرز ظهيرًا يمسك بتلابيب المشهد، مع استمرار المحاولات الحثيثة للاتصال بشخصيات بارزة في تحالفات المعارضة لإقناعها بالانضمام إلى هذه الرقعة وتوسيع نطاق مشروعيتها.
وفي المقابل، تحرص القيادة العسكرية على إرسال تطمينات متوازنة للداخل والخارج، فبينما يطمئن البرهان القوى السياسية الرافضة للمؤتمر الوطني المحلول باستبعاد الحزب من المشاركة في العملية السياسية، تتواصل الترتيبات العملية لاستيعاب أكبر عدد ممكن من البارونات والقيادات في مجلس تشريعي انتقالي مرتقب، وهو الثمن السياسي اللازم لإرضاء الحركات المسلحة وضمان ولاء حلفاء المرحلة.
وعلى الرغم من محاولات إبقاء هذه التحركات بعيدة عن الأضواء، إلا أن تفاصيلها باتت مكشوفة ورسائلها صريحة، خصوصًا مع وصول وفد رفيع من الشخصيات العامة ذات التأثير من القاهرة إلى الخرطوم للقاء البرهان، وهو اللقاء الذي لم يخلُ من مناقشة الترتيبات التشريعية والإجراءات الخاصة بسحب الجوازات من السياسيين والنشطاء المناهضين، في مؤشر واضح على أن السلطة ماضية في هذا الخيار حتى نهايته.
“نواصل”