حين بدأت أغنيات الحقيبة تتردّد في القاعة، لم يكن واضحاً أين تنتهي الأغنية ويبدأ الحنين..
كانت الكلمات الرصينة المعتّقة تجد طريقها إلى جمهور يعرفها ويحفظ مقاطعها، فتتعالى “الشيلة” خلف المغنين، ويردّد الحضور كلمات الأغنيات قبل أن تكتمل جملها، فيما تحرّك الإيقاعات الأجساد طرباً. ومع تصاعد التصفيق وارتفاع أصوات الغناء، بدا واضحاً أن الأمسية أعلنت نجاحها الباهر منذ لحظاتها الأولى.
وفيما كانت أسماء شعراء الحقيبة وألحانها تعود إلى الآذان، بدت الدوحة في تلك الليلة كأنها تستعيد شيئاً من أمسيات السودان البهية.. لم تكن الحقيبة محض أغنيات من زمن مضى؛ كانت حاضرة بشعرها ولحنها وذاكرتها، وقادرة على ملء القاعة واستدعاء الماضي الجميل. ومن الإيقاع الخفيف إلى الثقيل والمتوسط، ومن التمتم إلى “العشرة بلدي” والسيرة، تنقّلت الأمسية بين ألوان الحقيبة، وظل الجمهور شريكاً في الغناء لا متلقياً له فقط.
كانت تلك ليلة (سحر الحقيبة)، الفعالية الشهرية الثامنة لمنتدى (أسمار)، التي أقيمت مساء الجمعة 14 أغسطس 2026، وهي الليلة الثانية التي يخصّصها المنتدى للحقيبة، بعد أن وجد في هذا الفن مساحة واسعة لاستعادة واحدة من أهم مراحل تاريخ الغناء السوداني، لا بالغناء وحده، وإنما باستحضار شعرائه وملحنيه وفنانيه والذين وثّقوا لتجربته.
قاد الشاعر بدر الدين صالح خيط الأمسية بلباقة، وعاونه في بعض فقراتها بإتقان عبد الوهاب علي محمد الرقيق. وعلى المسرح حضرت الفرقة الموسيقية بكل بهائها، وليد أبو القاسم وأمير كمال على الأورغن، وعثمان دقيس على الأكورديون، وربيع تلي وعوض حرقل على الإيقاع، وحاتم إسماعيل على الجيتار، وعبد الرحيم حجوج على البيز جيتار، وأبو ذر شمس الدين وفرح خليل على الكمان، وأواب علي أدهم على العود، وأمامهم وقف الفنانون عبد الله الطاهر ومحمد مجدي وخالد زعفران وقدّموا باقة منتقاة ومميزّة من درر الحقيبة الخالدة.

ولم تكن الاختيارات تسير على إيقاع واحد؛ فقد تنقّل الفنانون بين شعراء الحقيبة وأغنياتها، وتنوّعت الألحان والإيقاعات، ومع كل أغنية كان الجمهور يستعيد نصيبه من الذاكرة؛ يغنّي، ويصفق، ويرقص، ويردّد المقاطع التي يتقنها، حتى بدت المسافة بين خشبة المسرح والقاعة قصيرة إلى الحد الذي جعل الجميع جزءاً من المشهد.
ومن الغناء إلى الحديث عن واحدة من تقاليد الحقيبة الفنية، جاءت مداخلة د.إسماعيل السيّد حول مفهوم “المجاراة” في شعر الحقيبة. تناول أشكالها ودواعيها، ثم ترك المجال للأغنية كي تشرح ما قاله، فقدّم المغنون نموذجاً غنائياً من خلال التبادل في أداء “زيدني في هجراني” لعمر البنا و”غبت عن إنساني” لعبد الرحمن الريّح. فبدت “المجاراة” هنا أكثر من معلومة من التاريخ؛ بل تقليداً فنياً يعيد وصل الشعر باللحن والصوت، ويكشف عن مساحة الحوار التي كانت حاضرة في ذلك الغناء.
لكن الحقيبة في (أسمار) لم تكن على المسرح وحده. إلى جوار الغناء، رافق الليلة معرض توثيقي حمل جانباً آخر من الذاكرة؛ صور لشعراء الحقيبة وصانعي ألحانها وفنانيها عبر أجيال مختلفة، إلى جانب صور الموثّقين والباحثين ومقدّمي برامج الحقيبة والغناء. وجاءت الصور في صيغة البورتريه والإسكتش، فبدت الوجوه التي عرفها السودانيون من خلال أصواتها وكلماتها حاضرة أمام العين. وبين الصور، حضرت دواوين معظم شعراء الحقيبة، ومقالات لعدد من النقّاد والكتّاب، إلى جانب كتابين عن سيرة ومسيرة كرومة وسرور، ليصبح المعرض امتداداً لما كانت الموسيقى تقوله على المسرح. فاستعادة الحقيبة، في تلك الليلة، لم تكن استعادة لأغنياتها وحدها، وإنما للذين صنعوا عالمها وكتبوا له وبحثوا فيه ووثّقوه.
ومن الذاكرة الفنية إلى أصحاب العطاء في الحاضر، انتقلت الأمسية إلى فقرات التكريم. حيث كرّم (أسمار) بمحبة وتقدير د.أماني الخليفة، تقديراً لما قدّمته من أدوار وإسهامات في مسيرته، كما احتفى بالمهندس قريب الله الباز، الذي تولّى إبراز الهوية البصرية للمنتدى، في لوحات وشعارات رائعة رافقت فعالياته.
وكان للموسيقار وليد أبو القاسم نصيب من التكريم تقديراً لكونه أحد أعمدة الفرقة، وأحد الذين رفدوا المنتدى بفنهم وخبرتهم وتوجيههم. كما احتفى المنتدى بمحمد البدري بمناسبة زواجه، في لحظة امتزج فيها الاحتفاء بالفن بالاحتفاء بأهل المنتدى وأفراحهم.
وازدانت الأمسية بتشريف الموسيقار الصافي مهدي، الذي أشاد بالمنتدى، مؤكّداً أن الجالية السودانية في قطر من الجاليات الحيّة والمميّزة في الخارج، التي تتحمّل عبء الحفاظ على الهوية الثقافية السودانية في بلاد الهجرة، فيما عبّر الموسيقي القادم من يوغندا عماد ببّو عن سعادته بحضور الأمسية، مشيراً إلى أن الدوحة تضم نخبة من خيرة وأميز العازفين السودانيين أصحاب التجارب والأثر في الموسيقى السودانية. وكان حضور الرجلين إضافة إلى المشهد الفني الذي يتسع في الدوحة، حيث تتقاطع تجارب موسيقيين وفنانين سودانيين جاءوا من بعيد، يجدون في الموسيقى مساحة مشتركة للقاء واستعادة ما تركوه خلفهم.
ويرى الفنان عبد الله الطاهر، عضو اللجنة التسييرية لمنتدى (أسمار)، في حديثه لـ(مشاوير)، أن نجاح ليالي (سحر الحقيبة) يؤكد دقّة اختيار عرض هذا اللون الغنائي، لما للحقيبة من عظمة ودور بارز في مسيرة الغناء السوداني، مشيراً إلى أن هذا النجاح يحفّز القائمين على المنتدى للعمل الجاد وبخطى حثيثة على تطوير التجربة وتوسيع حضورها.
وأوضح أن (أسمار) يمضي نحو بناء منصّة ثقافية وفنية تعرّف الجمهور بالفن السوداني، وتدعم المبدعين في الشعر والتلحين والغناء، وتوفر مساحة لتوثيق الإبداع وحفظه، إلى جانب تنظيم الفعاليات وفتح المجال أمام المواهب الجديدة والموسيقيين والفنانين الكبار الذين تضمهم الدوحة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلّب الانتقال من نجاح الأمسيات إلى عمل أكثر اتساعاً وتنظيماً واستقراراً في خدمة المشهد الثقافي السوداني في دول الاغتراب.
وهكذا لم تكن ليلة (سحر الحقيبة) مجرد أمسية غنائية في الدوحة. فمن بين الأغنيات التي حفظها السودانيون جيلاً بعد جيل، والفرقة التي أعادت توزيعها على مسرح جديد، والجمهور الذي استعادها بالطرب والحنين والرقص والغناء، والمعرض الذي أخرج وجوه أصحابها من الكتب والصور، بدت الحقيبة كأنها عاشت في تلك الليلة حياة أخرى.
وحين هدأت الموسيقى في نهاية الأمسية، لم تهدأ الحقيبة تماماً. بقيت كلماتها في أصوات الجمهور، وفي وجوه شعرائها المعلّقة على جدران المعرض، وبقيت ألحان كرومة وسرور وجيل الرواد تعبر المكان، لتؤكّد أن بعض الأغنيات لا تعيش في زمنها فقط؛ بل تعود كلما وجد من يمنحها صوتاً، وجمهوراً يتذكّرها، ومنتدى يحتفي بها.
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع