(الحلقة الأولى)
تأخذ رحلة جيمس بروس إلى رأس الفيل ثم إلى تواوا وبيلا وسنار شكلها الحقيقي عندما تُقرأ كما رواها هو، لا باعتبارها انتقالًا بين نقاط على الخريطة، بل باعتبارها عبورًا في منطقة حدودية تتداخل فيها سلطة الحبشة مع نفوذ سنار، وتتحرك فيها جماعات عربية ومحلية بين القرى والغابات والآبار ومجاري السيول. وقد أفرد بروس في المجلد الثالث فصلًا مستقلًا بعنوان «The Author made Governor of Ras el Feel»، ثم خصص في المجلد الرابع ثلاثة فصول متتالية لرأس الفيل والطريق إلى تواوا والإقامة فيها ثم مغادرتها إلى بيلا وسنار.
كيف أصبح بروس حاكمًا لرأس الفيل (القلابات/ المتمة)؟
كانت رأس الفيل (Ras el Feel) جزءًا من الحزام المنخفض الحار الواقع في جنوب الحبشة على حدود سنار. ويضع بروس هذه البلاد ضمن نطاق مازاغا (Mazaga)، وهي تسمية كان يطلقها على الأرض السوداء الخصبة (البادوبه)؛ في ذلك الشريط، لا على حكومة واحدة بالمعنى الضيق.
وكان المسلمون يسكنون هذه المناطق، كما كان عرب سنار الذين يدخلون في خصومات مع شيخ أتبره يعبرون الصحراء (الفيافي) ويلجأون إليها.
وكانت في ذلك الوقت مرتبطة بـ أتو كونفو (Ayto Confu). وكان كونفو قد عُيّن في وقت سابق حاكمًا عليها، لكن تدهورت الإدارة في عهده ، وكان عبد الجليل (Abdel Jelleel) يتولى النيابة فيها، أي نائباً لأوتو كونفو.
وكان كونفو يريد الذهاب بنفسه إلى رأس الفيل لإعادة تنظيمها وعزل عبد الجليل، حتى إنه طلب قوات من الملك لهذا الغرض. لكن بروس كان يعرف هذه البلدة تنتشر فيها الحمى والزحار (الدوسنتاريا)، وأن المرض الذي كان يعاني منه كونفو قد جعله ضعيفًا للغاية. ولذلك حذّر بروس أمه من ذهابه إلى رأس الفيل.
كانت والدة أتو كونفو هي أوزورو استير (Ozoro Esther)، التي يصفها بروس صراحة بأنها (إتيجيه) (Iteghè)، أي سيدة ذات مكانة رفيعة وسامية في القصر الملكي الحبشي وكانت تزوجت في شبابها من كاساماتي نيتشو (Kasmati Netcho) وهو إقطاعي ثري من منطقة تشركِن (Tcherkin) وكانت له أملاك وأراض واسعة تمتد حتى بلاد الوثنيين السود (شنقالا)، لكنه عندما حاول التوسع نحو جبال ماغوينا (Magwena) تصدى له الرهبان الذين يتنسكون في أديرة في أعالي الجبال واعتبروا محاولته هذه تدنيساً للمقدسات فأطلقوا بحقه تهديدات دينية ثم أرسلوا إليه حملة عسكرية فاعتقلته وسُجن في جبال ولقاييت (walkayet) ومات هناك.
وهكذا عاش ابنه كونفو في كنف والدته وكان ابنها المفضل. لذلك حين حذرها بروس من مغبة إرساله إلى رأس الفيل، ازداد قلقها، فأخبرت الرأس ميكائيل الذي أصدر أمراً بمنعه من الذهاب.
وهنا تدخلت شخصية أخرى مهمة هي نقدى راس محمد (Negade Ras Mahomet)، كبير المسلمين في غوندر، بل يقول بروس إنه كان رأس المسلمين في الحبشة كلها. وكان من المقربين إلى الرأس ميكائيل، وكان يعرف بروس من خلال متكال أغا (Metical Aga).
أخبر نقدى راس محمد بروس أن ياسين (Yasine)، الذي كان التحق ببروس في جبل تارنتا (Taranta) الواقع في إرتيريا الحالية في الطريق من مصوع إلى غوندر، وذلك بتوصية من متكال أغا ليصبح رفيقه القوي والمقرب في رحلته إلى الحبشة، رجل تقي قوي يعتمد عليه.
ويصف بروس ياسين بأنه مسلم مورو أي ليس حبشياً، بينما متكال أغا الذي تعرف عليه بروس في جدة (الحجاز) كان حبشياً مسلماً ذا مكانة رفيعة لدى شريف الحجاز وكان سلحدار الحجاز (أي حامل السيف أو أمين مخازن السلاح)، وكان كذلك مقرباً من الإنجليز ومحل ثقتهم، ووكيلا لتجارة الحبشة بما فيها ملكها ونائبه القوي الرأس ميكائيل في جدة وكان يتولى الإشراف على بيع الذهب والعاج والسلع الثمينة وارد الحبشة، بينما كان يوفر للرأس ميكائيل السلاح الناري مقابل تلك التجارة، وقد تعرف عليه بروس في جدة وقدم له خدمات جليلة وتوسط له لدى الشريف والإنجليز ونائب مصوع ولدى ملك الحبشة والرأس ميكائيل وطلب من ياسين اللحاق به.
لاحقاً وفي رأس الفيل تزوج ياسين ابنة الشيخ عبد الجليل. بينما زوج ابنته لابن الحاج صالح.
يصف بروس ياسين بأنه كان أشجع جندي وأفضل فارس في الحبشة، وأنه رجل لا يحب المال، معروف بالنزاهة والشرف. والأهم أن سكان رأس الفيل، بحسب رواية بروس، كانوا جميعًا يريدونه حاكمًا بدل عبد الجليل، وأن عرب سنار التابعين للحبشة، ومن بينهم شيخ فضيلي (Shekh Fidele)، حاكم أتبره، كانوا يريدونه في ذلك المنصب.
عبد الجليل وياسين
كانت علاقة ياسين بعبد الجليل معقدة. فعبد الجليل كان نائب الحكومة الحبشية قبل صهره ، بينما أصبح ياسين أكثر شعبية منه بين السكان والعرب. ويكشف زواجه من ابنة عبد الجليل عن وجود رابطة اجتماعية مباشرة بين الرجلين.
وكان هذا مهمًا سياسيًا؛ لأن رأس الفيل لم تكن مكانًا يمكن أن يحكمه موظف بعيد عن علاقات القبائل. كان الحاكم يحتاج إلى رجل يستطيع التواصل مع العرب، ولا سيما الضباينة (Daveina)، وإعادة تدفق الخيول التي كانت ذات أهمية عسكرية كبيرة للحبشة. فبروس يوضح أن عرب المنطقة كانوا الوسيلة التي تصل بها الخيول القوية إلى جيش الملك، وأن شيخي أتبره ورأس الفيل كانا يحافظان على علاقة تضمن استمرار هذه الحركة.
استقالة كونفو وتعيين بروس
عندما التقى بروس أتو كونفو في كوسكام (Koscam)، ولعلها (قوجام). كان كونفو قد حسم أمره. قال لبروس إنه لم يعد حاكمًا لرأس الفيل، وإنه استقال منها، وأقسم ألا يتدخل في شؤونها مرة أخرى. وكان ذلك هو التحول الذي فتح الباب أمام تعيين بروس حاكماً لها.
وفي تلك اللحظة وصل تكلا ماريام (Tecla Mariam)، سكرتير الملك، وكان بروس لا يزال يعتقد أنه جاء ليسأل كونفو عمن سيخلفه. لكن تكلا ماريام هنأه، ثم قال له ما جعله يدرك الحقيقة واضحة” يا لها من لحظة… وأخيراً بروس نفسه حاكماً لرأس الفيل”.
كان القرار صادرًا في إطار سلطة الملك الحبشي، وكان تكلا ماريام ينقل إليه قرار البلاط. ولم يعد مطلوبًا من كونفو أن يختار نائبًا؛ فقد أصبح بروس هو الحاكم، وأصبح اختيار نائبه من صلاحياته. وسرعان ما استُدعي ياسين، فأُلبسه لباس منصبه، أي نصبه، وأُرسله فورًا إلى رأس الفيل، وكانت مهمته الأولى هي عقد مصالحـة مع الضباينة وإحضار أكبر عدد ممكن من الخيول من رأس الفيل وأتبره. وهكذا أصبح بروس حاكمًا لرأس الفيل، وياسين نائباً له.