مقالات

قراءة في تشابه مسارات التحالفات السياسية السودانية ودور العسكر في تفكيكها

عبدالباقي مختار (بقة)

“لا يغرق المرء لأنه سقط في النهر،

بل لبقائه مغمورًا تحت سطح الماء”

باولو كويلو

في كتابة سابقة، رصدنا ظاهرة في المشهد السياسي السوداني، تمثلت في هروب تيارَي اليسار واليمين من عباءة الطائفية السياسية والاحتماء بالمؤسسة العسكرية كحليف لهما في مشوار برامجهم للتغير، مما أثار إشكاليات كبرى لا تزال تتفاعل وتتفاقم حتى اليوم. وعبر تجربة اليسار واليمين وضح جلياً كيف استغلت المؤسسة العسكرية، منذ البداية، ضعف صبر النخب المدنية وتناقضاتها، لتفرض رؤيتها الخاصة بقبضتها الحديدية، وتلقي بثقل المسؤولية التاريخية عن عسكرة السياسة السودانية على عاتق تياري (اليسار واليمين)، وتحمّلهما تبعات استدعاء الجيش للحكم في كل أزمة وطنية حادة.

وقد أفضى ذلك التحليل إلى مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي تستوجب التعمق، وفي مقدمتها:

كيف واصلت النخب السياسية السودانية المعاصرة إعادة إنتاج إرث مؤتمر الخريجين الذي انتهج التكاثر الأميبي (الانشطاري)، الذي تحوّل إلى نمط متكرر في التنافس والتسابق المحموم على كراسي السلطة، لدرجة أفشلت أي محاولة حقيقية للتوافق على عقد اجتماعي متين يضع أسساً راسخة لبناء أمة سودانية حديثة، تضع السلام والعيش المشترك في صميم أولوياتها على حساب نزاع الهويات وصراعات المركز والهامش؟.

وشهد وما زال التاريخ السياسي السوداني الحديث ظاهرة باتت تكاد ترسم منحىً ثابتاً لكل عمليات التغيير الشعبي التي حدثت، حيث تتداعى القوى المدنية والاتحادات المهنية والنقابية في لحظة ذروة مهمة وفارقة في تاريخها، وتأتي بعد محاولات عديدة للاصطفاف في كتلة واحدة لتشكيل جبهات للمقاومة عريضة وموحدة، تنجح في إسقاط الأنظمة الشمولية بقوة الشارع عبر التظاهرات الجماهيرية والاعتصامات والعصيان المدني والإضراب السياسي الشامل، تنتهي بانتصار جماهيري يفضي إلى، أو يجبر المؤسسة العسكرية على القبول بتشكيل حكومة انتقالية تحمل على عاتقها مسؤولية الانتقال من الحكم العسكري إلى حكم ديمقراطي.

لكن سرعان ما يستبدل النصر المؤقت بمنعطف خطير من الصراعات بين النخب، ومن ثم مع المؤسسة العسكرية أيضاً، التي تظهر وكأنها تنتظر في الخلفية. لينتهي المشهد ذاته بتفكك تلك التحالفات، لتعود بتحالف مع أحد التيارات المتصارعة، ليصعد العسكر إلى سدة الحكم مرة أخرى بغطاء سياسي وحاضنة ساسية جديدة.

بالعودة لتأمل المحطات الثلاث الكبرى في مسيرة المقاومة السودانية؛ وهي “جبهة الهيئات” (1964)، و”التجمع الوطني الديمقراطي” (1990 – 2005)، و”قوى الحرية والتغيير” (2019)، يتكشف بوضوح كيف تتقاطع الأسباب، وتتكرر الأخطاء الاستراتيجية، وتعيد الأدواتُ نفسها إنتاجَ النتائج المأساوية ذاتها.

جبهة الهيئات (أكتوبر 1964): تمثل التجربة الرائدة، حيث هبت النقابات والاتحادات المهنية والأحزاب والطلاب في جبهة واحدة، واستخدمت سلاح العصيان المدني والإضراب السياسي الشامل لتطيح بحكم الفريق إبراهيم عبود، معلنة ميلاد أول نموذج سلمي ناجح لإسقاط الديكتاتورية في المنطقة، لكن قبل أن تكتمل فرحة الجماهير بنجاح ثورة أكتوبر 1964، وعلى نفس خطى انفراط عقد مؤتمر الخريجين، انقلبت جبهة الهيئات وتحالفها العريض على نفسها. وبدلاً من أن يتحول معولها الذي أطاح بالحكم العسكري إلى معول لبناء التحول الديمقراطي، تحول إلى معول هدم وصارت ضحية صراعاتها الداخلية، إذ سرعان ما استسلمت الجبهة إلى هشاشتها، حينما انشغلت أحزابها التقليدية في اقتتال حاد على حقائب الوزارة، ومناقضة على روح التكاتف الوطني الذي أنجز الثورة، فارتفعت وتيرة الاستقطاب الآيديولوجي بين اليسار الذي ينشط وسط النقابات والاتحادات (القوى الحديثة) وبين الأحزاب الطائفية مما عمّق من حدة الشرخ، فصارت الجبهة منصة للصراعات ملتهِمة لأي روح للتوافق.

مع تفاقم الأزمات السياسية التي شغلت التحالف عجزت الحكومة الانتقالية في معالجة الملفات المصيرية، وفي مقدمتها ملف الحرب في جنوب السودان، فقادت إلى فشل مؤتمر المائدة المستديرة في إيجاد أي حل جذري. وتمظهر الصراع في سعي الأحزاب التقليدية إلى تقليص نفوذ اليسار والقوى الحديثة التي قادت الشارع ثورياً، فأشعلت بذلك موجة من الاحتجاجات العمالية والطلابية التي زعزعت الاستقرار، مما أدى لقيام انتخابات في مناخ متوتر وقائم على الانقسامات الجهوية والطائفية، ففرضت الدخول في تشكيل حكومات ائتلافية متعاقبة، أقعدها عن خلق توافق وطني ورفع من أطماع المؤسسة العسكرية وفتح الطريق أمامها للقيام بانقلاب مايو 1969 الذي قاده جعفر نميري، معلناً نهاية الفترة الديمقراطية الثانية.

مثّلت الفترة الممتدة من انتفاضة مارس-أبريل 1985 وحتى انقلاب 30 يونيو 1989 منعطفاً حاسماً في تاريخ السودان الحديث، إذ انطلقت بانهيار النظام العسكري بقيادة النميري، الذي تحالف أوّلاً مع اليسار قبل أن ينقلب على نفسه متحالفاً مع الإخوان المسلمين، غير أن تناقضاته الداخلية وسوء إدارته، فضلاً عن تداعيات قوانين سبتمبر 1983 وإعدام محمود محمد طه في يناير 1985 قادته إلى الهاوية، بفعل عصيان مدني شامل قادته النقابات المهنية في إضراب عام في أبريل 1985، ما دفع المؤسسة العسكرية بقيادة سوار الذهب إلى تسليم السلطة لحكومة انتقالية مدنية أوفت بتعهدها وأجرت انتخابات عامة في العام 1986.

غير أن هذه التجربة الديمقراطية القصيرة سرعان ما تعثرت بأزمات متراكمة، شلل اقتصادي حاد، وجدل عقيم حول تطبيق أو إلغاء قوانين سبتمبر، واستمرار حرب الجنوب.

رغم توقيع أغلب الأحزاب السياسية والاتحادات والنقابات المهنية – باستثناء الجبهة الإسلامية – على ميثاق الدفاع عن الديمقراطية، وشهدت تلك الفترة أيضاً توقيع اتفاق “كوكادام”، وتعاقب حكومات ائتلافية برئاسة الصادق المهدي، عجزت عن تحقيق إصلاحات جذرية أو إنهاء النزاع، وعمَّق الأزمة في الجنوب، فبادر رئيس الحزب الحزب الاتحادي الديمقراطي بلقاء رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان في أديس أبابا والعودة من هذا اللقاء بما عرف لاحقاً باتفاقية الميرغني – قرنق في نوفمبر 1988 التي بعثت آمالاً كبيرة بالسلام.

لكن بتردد الصادق المهدي بقبول اتفاقية الميرغني – قرنق، تقدمت قيادة الجيش بمذكرة شهيرة في العشرين من فبراير 1989، أعقبها تشكيل الصادق المهدي لحكومة الوحدة الوطنية في الخامس والعشرين من مارس 1989، وكانت آخر حكومة للمهدي حيث انقلبت الجبهة الإسلامية وفصيلها العسكري في الجيش بقيادة عمر البشير على النظام المدني الديمقراطي في الثلاثين من يونيو 1989.

وبذلك، وقبل أن تثمر أي تسوية سياسية، انقضت المؤسسة العسكرية متحالفة مع الجبهة القومية الإسلامية على النظام الديمقراطي، واتخذ قراراته بحلّ البرلمان، والأحزاب والنقابات، ليغلق بذلك باب التجربة الديمقراطية الثالثة ويضع البلاد تحت حكم عسكري بشعارات دينية قسمت البلاد وأشعلت الحروب في كل أطراف البلاد وما تزال نيرانها تلتهم كل أجزاء الوطن.

التجمع الوطني الديمقراطي (1990 – 2005): شكَّل المظلة الأوسع للمعارضة السودانية لأول مرة، حيث ضم جل الأحزاب السياسية السودانية المعروفة، التحالف السوداني والتحالف الفيدرالي وتجمعات نقابية والحركة الشعبية لتحرير السودان، واستند إلى وثيقة خرج بها من مؤتمر القضايا المصيرية بالعاصمة الإريترية أسمرا في العام 1995. لكنه لم ينجُ من مصير التحالفات السابقة، وتفكك نتيجة الاتفاقيات الانفرادية (بداية بلقاء جنيف بين الصادق المهدي وحسن الترابي، ثم بنداء جيبوتي باتفاق حزب الأمة مع حكومة البشير الذي انتهى بعودة قيادة حزب الأمة إلى الخرطوم وخروجه من التجمع الوطني الديمقراطي، ومن ثم اتفاق نيفاشا بين الحركة الشعبية وحكومة الإنقاذ في العام 2005، واتفاق القاهرة بين الإنقاذ وبقية أحزاب التجمع في العام 2005) التي استقطبت بعض أجنحته نحو السلطة، تاركةً البقية في دائرة المعارضة المتآكلة.

قوى الحرية والتغيير (2019 – الآن): جاءت بعد فترة من محاولات تجميع القوى السياسية السودانية المناهضة للحكم العسكري وحاضنته السياسية؛ المؤتمر الوطني الحاكم، محاولات تجميع مرت بمراحل ومؤتمرات عديدة داخل وخارج السودان. فجاءت قوى الحرية والتغيير كإطار جماهيري جامع قاد الحراك الشعبي ولجان المقاومة وتجمع المهنيين، وأسقطت نظام عمر البشير بعد اعتصام تاريخي. لكن سرعان ما اصطدمت بالمجلس العسكري الانتقالي اصطداماً كانت فيه حادثة فض الإعتصام، وتآكل تحالفها في صراعات حادة على السلطة ومسارات التفاوض، لتغرق البلاد في أزمات سياسية وأمنية عميقة.

على الرغم من نجاح هذه الجبهات في تحقيق هدفها الأكبر (وهو إسقاط النظام)، فإنها جميعاً ارتطمت بنفس التحدي، كيف تُدار الفترة الانتقالية؟ وكيف تكون مساهمات أعضاء التحالف في إعادة بناء أجهزة الدولة على أسس متينة؟. لكن هنا لم تكن تصدعات التحالفات وليدة الصدفة، بل كان ذلك واضحاً تماماً أنه نتاج الاستراتيجية الممنهجة ذاتها وعبر تكتيكات مدروسة، أدارتها المؤسسة العسكرية وخبراء أنظمة الحكم الشمولي ببراعة، عبر الأدوات التالية:

اعتمدت الأنظمة المتعاقبة على شق صفوف الجبهات المعارضة عبر استمالة بعض الأحزاب أو القيادات، بوعود المشاركة في السلطة أو المكاسب السياسية والاقتصادية. ففي التجمع الوطني الديمقراطي، كانت اتفاقية نيفاشا نموذجاً صارخاً لالتهام أحد أجنحته (الحركة الشعبية) في اتفاق انفرادي بغضِّ النظر عن ملابسات الحوار ووالإتفاق، مما أدى إلى خروج باقي المكونات تباعاً والتحاقها بالسلطة، وترك البقية في مهب الريح.

أما الواضح والأكثر تقارباً في أعقاب ثورتي 1964 و2019، فهو قبول المؤسسة العسكرية مبدأ الشراكة عبر صيغ دستورية أو مجالس سيادية مشتركة، لكنها احتفظت، بذكاء، بالسيطرة الفعلية على مفاصل الدولة السيادية (الأمن، الجيش، الاقتصاد، والموارد). ثم بدأت عملية تقويض الشريك المدني تدريجياً عبر تعقيد الملفات، وإطالة أمد التفاوض، وصولاً إلى الإقصاء الكامل تحت مسميات صارت محفوظة في مصطلحات سهلة، أطلقتها المؤسسة العسكرية وهي الفشل الإداري ومن ثم تطورت إلى العمالة، الخيانة وتهديد الأمن القومي.

واصلت المؤسسة العسكرية عبر تاريخ صراعها مع المدنيين في تغذية الصراعات الفكرية داخل تحالفات المدنيين بين اليسار واليمين، المركز والهامش، وزراعة النزاعات القبلية والجهوية، مما أقعد جبهات نضال القوى المدنية عن بناء الدولة وأدخلها في صراعات جانبية عقيمة، الهدف منها خلخلة تماسكها وجعلها أسيرة السجالات الآيديولوجية، بدلاً من العمل على مشروع وطني جامع.

كما عملت المؤسسة – وهذا هو السائد- على استخدام الاعتقالات، التضييق الأمني، والتشويه الإعلامي ضد القيادات صاحبة المواقف الثابتة ضد الحكم العسكري، مع فتح قنوات خلفية لاحتواء الأجنحة الضعيفة أو الانتهازية داخل التحالف ذاته. بذلك جعلت تحالفات وتجمعات المدنيين في حالة ارتباك دائم، وأفقد أي حراك شعبي الاتجاه الوطني السليم.

لا يمكن إلقاء اللوم كاملاً على دهاء المؤسسة العسكرية، إذ تستمد هذه الاستراتيجيات نجاحها من نقاط ضعف هيكلية عميقة في بنية الأحزاب والكيانات المدنية السودانية، أبرزها:

تعتمد الأحزاب على زعامات تقليدية أبوية، تفتقر إلى آليات التداول الديمقراطي، وتُفضّل المكاسب الحزبية الضيقة على المصلحة الوطنية الاستراتيجية.

تدخل القوى المدنية معارك الإسقاط دون رؤية متكاملة للدولة البديلة، ودون خطط واضحة لإدارة المراحل الانتقالية، وبدون خريطة طريق للتعامل مع الجهاز الأمني المعقّد.

تفتقر النخب السياسية إلى ثقافة تقديم التنازلات المتبادلة والاحتكام إلى مبادئ وطنية عليا، فتظل أسيرة للمناكفات الشخصية والبرامج الضيقة.

تنفصل هذه النخب عن الجمهور الواسع الذي صنع الثورات، وتترك المساحات للعسكر لاستمالة الشارع بخطاب الأمن والاستقرار.

• يظهر الواقع السياسي والاجتماعي الراهن أزمة عميقة تتمثل في انقطاع الوصل المعرفي بين الأجيال، حيث تعاني الأجيال الجديدة من غياب قراءة واستيعاب تاريخ التجارب الماضية وخبرات الأجيال الماضية. هذا الفراغ المعرفي بتاريخ التجارب السابقة أفرز ظاهرة تصرف هذه الأجيال وكأن تاريخ السودان السياسي ومسيرة نضاله الطويلة قد بدأت عند جيلهم فقط، متجاهلين أن الحاضر ما هو إلا امتداد طبيعي لتراكمات نضالية وتضحيات تمت عبر عقود طويلة من الزمن.

إن تكرار هذه الدائرة المفرغة أو الحلقة الشريرة في السودان يؤكد أن الخلل ليس فقط في دهاء المؤسسة العسكرية، بل في عجز النخبة السياسية عن تجاوز أجنداتها الضيقة وبناء كتلة تاريخية صلبة وواعية، قادرة على فهم تعقيدات السلطة ومتانة الدولة.

تأسيس مشروع وطني جامع يتجاوز الانقسامات التقليدية والثنائية (يسار/يمين، إسلامية/علمانية، مركز/هامش)، ويقوم على قيم المواطنة، والعدالة، والتنمية المتوازنة.

بناء مؤسسات حزبية ديمقراطية قوية تُحكِم التوافق الداخلي، وإعداد كوادر وطنية مؤهلة لإدارة الدولة.

الاتفاق المسبق على ثوابت المرحلة الانتقالية، بما يُحصن الإرادة الشعبية ضد أي محاولات لاختراقها أو الالتفاف عليها، ويحدد ملامح السلطة المدنية بوضوح لا يحتمل التأويل.

إعادة صياغة العلاقة مع المؤسسة العسكرية وفق عقد سياسي واضح يحدد دورها الدستوري في الدفاع عن الوطن، لا في تدبير شؤونه السياسية، مع التأكيد على خضوعها للسلطة المدنية المنتخبة.

يظل السؤال المفتوح أمامنا اليوم: هل آن الأوان لاستخلاص العبر من إخفاقات الماضي، أم أن التاريخ سيعيد نفسه مجدداً، مع إصرار البعض على تكرار التجارب الفاشلة ذاتها؟.

الإجابة واحدة، وتكمن في مدى قدرة القوى المدنية الحالية على مراجعة ذاتها نقدياً، وتجاوز ثقافة المحاور والاستقطاب، والارتقاء إلى مستوى التحدي التاريخي الذي ينتظرها، وهو بناء سودان جديد يليق بتضحيات شعبه العظيم، ويخرجه من نفق الانقلابات المتكررة إلى فضاء الدولة المدنية المستقرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع