مقالات

القضارف في رواية صمويل بيكر (1862)

عبد الجليل سليمان

الحلقة الثانية

ومن التفاصيل الطبية التي سجلها بيكر مرض سماه “فرنديت”، وأشار إلى بأنه يظهر بعد شرب مياه البرك التي تتجمع في موسم الأمطار، ولا سيما في المنطقة بين أتبرا (النهر) والقضارف، وكان يصفه بأنه مرض يرتبط بدودة طويلة رفيعة، وذكر طريقة العلاج التقليدية التي شاهدها كالتالي: ” يتم شرط الجلد ( جرحه) بسكين رفيعة وإدخال عود صغير رفيع (كعود الثفاب) في الفتحة وسحب الدودة تدريجيًا.

وهذا المرض كان مرتبطاً بتردي البيئة الموسمية والمياه الراكدة.

النساء والعادات الجسدية (الشلوخ))

في يوم السوق، يلاحظ بيكر وجود نساء عربيات كثيرات. ويقول إن كثيرًا منهن كنّ، في رأيه، جميلات، لكن جمالهن كان يتأثر بعادة تشريط الخدين (الشلوخ)

يقول: ” وكانت الخدود تُجرح بثلاثة جروح على كل جانبيها، منذ الطفولة، وتبقى الندوب جزءًا من مظهر الشخصي للنساء وللرجال أيضاً. أما الأطفال فكانوا يُشرّطون (يُشلخون) في بعض الحالات على الظهر والبطن، وكان الاعتقاد أن ذلك يفيد صحتهم أو نموهم”.

كما يسجل بيكر اعتقادًا متعلقًا بالنساء الحوامل: “كانت المرأة الحامل تمر بين فتحتّي القوائم الامامية والخلفيّة لجمل قوي، اعتقادًا بأن ذلك يمنح مولودها قوة الجمل.

ستة تكرور من دارفور

في القضارف أكمل بيكر فريقه، وذلك عقب نجاحه في التعاقد مع ستة من التكرور الأقوياء، من أهالي دارفور، لمدة خمسة أشهر، وهم: موسى، عبد الله، عبد الرحمن، حسن، الضّو، الحاج علي، بالإضافة إلى مجموعته القديمة التي تضم ” محمد، ود جُمعة ، بخيت، محمد ثاني، الطباخ، فضلاً عن الخادمة بركة من القالا (الأرومو)؛ وبذلك كان مجموع الرجال أحد عشر رجلًا، إضافة إلى الطباخ.

ويقول بيكر إن هؤلاء التكرور كانوا مسلمين وأقوياء وشجعان، وإنه كان يفضّل الاعتماد على عدد قليل منهم بدل الاعتماد على عدد كبير من العرب.

أما الخادمة القاليّة بركة، فقد اشترى حريتها مقابل (35) دولاراً ، إذ كان يحتاج إلى امرأة لطحن الحبوب وصنع الخبز للبعثة.

ويقول: ” كانت مشكلتنا الكبرى هي الحصول على جارية لطحن الحبوب وصنع الخبز للرجا؛ لكنه لم يجد من يقبل بإعارة جاريته حتى إكمال الرحلة وإعادتها إليه، فاختار أن يشتري حريتها (بركة) ثم يوظفها خادمة في الرحلة.

كانت نحو الثانية والعشرين، تجيد صنع الخبز والكعك وتبيع ما تصنعه في سوق القضارف، وعندما أخبرها بيكر بأنهت حرة وبإمكانها العودة إلى القضارف أو الاستقرار حيث تشاء عقب انتهاء الرحلة، كان رد فعلها عاطفيًا للغاية؛ إذ اندفعت نحوه وعانقته وقبّلته، حتى لطخت ملابسه بزيت الخروع والعطر.

وفي أكثر فقرات الكتاب طرافة، يقول بيكر: إن عامله محمد التكروري كان يمازحه، بقوله إن (بركة) Barrake تظن نفسها أنها إحدى زوجاته.

الرق والعبودية في سوق القضارف

ومن خلال قصة بركة يقدم بيكر أيضًا ملاحظة اقتصادية عن الرق، يقول: ” slaves were scarce and in great demand”.”كان العبيد قليلين وكان الطلب عليهم كبيرًا”.

وكانت بركة مملوكة لرجل عربي، وقد طلب ثمنًا مرتفعًا، لكن بيكر دفع المبلغ الذي طلبه.

وهكذا تكشف القصة عن وجود سوق للعبيد وعلاقات شراء وبيع وتحرير وتوظيف في القضارف في الفترة التي زارها فيها.

القضارف ملجأ أثناء الاضطراب

غادر بيكر القضارف في طريقه إلى “ود النقر”، وجد البلاد في حالة ذعر بسبب غارة المك نِمّر الإبن “عمارة”، وكان سكان المنطقة يفرّون من قراهم مع قطعانهم، ويتدفقون إلى القضارف وهذه الجُملة تكشف وظيفة أخرى للبلدة، إذ لم تكن سوقًا فحسب، وإنما كانت نقطة تجمع ولجوء للسكان والقطعان عند اضطراب الأمن في المنطقة.

المك نِمّر الإبن: درع يحمي قلب الحبشة

يصف بيكر نِمّر الإبن بوصفه خصمًا شديد الإزعاج للحكومة المصرية، بل كان، في الواقع، درعًا يحمي قلب الحبشة، ويشرح كيف كانت الشبكات القبلية تمده بالمعلومات عن تحركات خصومه، وكيف كان يشن غارات مفاجئة على قطعان الضباينة والشكرية. ويذكر الحُمران بوصفهم من أصدقاء المك نمر الإبن السريين، ويذكر كذلك الجعليين الذين كانوا، رغم دفعهم الجزية للحكومة المصرية، يمدونه بالمعلومات.

الضباينة والحدود ومحمود ود زايد

في السياق نفسه يذكر بيكر الضباينة، بقيادة محمود ود زايد، يكتبها (Mahmoud Wat Said) ، الذي أصبح شيخًا بعد وفاة أخيه عدلان ، يكتبها (Atlan).

ويقول إن قوات الضبانية تجمعت على الحدود، ثم تحركت قوات مصرية كبيرة نحو القلابات، حيث وقعت مواجهات مع الأحباش والتكرور.

وهذه الأحداث لا تقع في سوق القضارف نفسها، لكنها ترسم البيئة السياسية والعسكرية التي كانت القضارف جزءًا من شبكتها الإقليمية.

إذا جمعنا التفاصيل التي سجلها الرحالة بنفسه، تظهر القضارف في منتصف القرن التاسع عشر كبلدة ذات عمران بسيط من أكواخ القش، مقابل سوق شديد الحيوية والانفتاح. إنّها بلدة يصفها بيكر بأنها فقيرة المباني، لكنها غنية بحركة الناس والبضائع.

ينشط في سوقها الذي ينعقد مرتين أسبوعياً؛ تجاراً عرباً (بدو) من قبائل مختلفة، تكرور، بينهم رجال من دارفور، الأحباش، اليونانيون، وأنه وجد بضائع مستوردة من مانشستر؛

ولم تكن القضارف بعيدة عن الاضطراب السياسي والعسكري؛ فغارات عمارة ود المك نِمّر، الذي يسميه بيكر (مك نمر الإبن) كانت تدفع سكان القرى إلى التدفق نحوها، فيما كانت الشبكات القبلية والتجارية تمتد منها وإليها وإلى كسلا والحدود والقلابات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع