ثقافــة

في معرض (الأرض تحمل) … ثلاثة فنانين سودانيين يستعيدون ذاكرة وادي النيل في لندن

الدوحة - مشاوير : مجدي علي

من داخل واحدة من أبرز المجموعات المتحفية التي تحفظ جانباً من تاريخ مصر والسودان، يعود الفنانون إلى الماضي لا لاستعادته بوصفه أثراً جامداً، وإنما لطرح أسئلة جديدة حول الذاكرة والهوية وما بقي من تلك الثقافة في الحياة السودانية المعاصرة.

هذه هي الفكرة التي يقوم عليها معرض (الأرض تحمل) (The Land Carries)، المقام هذه الأيام في متحف بتري للآثار المصرية والسودانية التابع لجامعة كوليدج لندن (UCL)، ضمن برنامج (ثقافات السودان الحيّة) Sudan Living Culturesويستمر حتى 19 سبتمبر 2026.

ويجمع المعرض بين مقتنيات تاريخية من وادي النيل وأعمال جديدة لثلاثة فنانين من أصول سودانية، هم أحمد عكاشة، ودينا نور ساتي المقيمة في الولايات المتحدة الأمريكية، وياسمين النور المقيمة في البحرين، في تجربة تسعى إلى نقل التراث من فضاء القطعة الأثرية إلى فضاء الفن والذاكرة والممارسة اليومية.

الأعمال المعروضة جاءت ثمرة إقامة بحثية استمرت أربعة أشهر، انغمس خلالها الفنانون في مجموعات متحف بتري، إلى جانب جولات بحثية وإبداعية في متاحف ومجموعات بريطانية أخرى تضم مواد مرتبطة بوادي النيل. ومن خلال دراسة تلك المقتنيات وما تحمله من أشكال ورموز وممارسات، طوّر الفنانون أعمالاً معاصرة تنوّعت بين التركيبات الفنية والطباعة والكولاج والخزف والأفلام والفنون الرقمية.

ويحاول المعرض، من خلال هذا التفاعل بين الماضي والحاضر، الاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية والطقوس ومظاهر الصمود في السودان القديم، واستكشاف الطرق التي ظلت بها بعض الممارسات الثقافية حاضرة ومتطوّرة عبر الأجيال. كما يفتح سؤالاً موازياً حول الطريقة التي يُعرض بها التراث السوداني ويُفسّر داخل المؤسّسات المتحفية خارج السودان، ومن يمتلك حق رواية التاريخ وإعادة تقديمه.

ويحمل عنوان (الأرض تحمل) دلالة أساسية في التجربة؛ فالأرض لا تحفظ بقايا الماضي فحسب، وإنما تحمل آثار حياة الناس ومعارفهم وتقاليدهم، وتربط ما هو مادي بما يستمر في الذاكرة والممارسة. ومن هذه الزاوية ينظر المعرض إلى الموروث السوداني باعتباره ثقافة حيّة، لا مجموعة من الشواهد المنفصلة عن مجتمع واصل إعادة إنتاجها وتطويرها.

في تجربة أحمد عكاشة، الفنان المتعدّد الوسائط والمخرج الفني، تتقاطع الذاكرة الثقافية مع الهوية والروابط الإنسانية وعلم الآثار. ويستخدم عكاشة التركيبات البصرية والأفلام والطباعة والأشكال النحتية للتفكير في ما تقوله المادة التاريخية عن الصمود والاستمرار والروابط الثقافية، كما يتوقّف عند سياسات عرض التاريخ داخل المتحف، وما يحدث عندما تنتقل المواد المرتبطة بتاريخ السودان إلى مؤسّسات ثقافية خارج البلاد.

أما دينا نور ساتي، المتخصّصة في الخزف والسيراميك، فتتخذ من الطين مادة لاستعادة علاقة الإنسان بالأرض والذاكرة. وتستند أعمالها إلى التقاليد الإفريقية القديمة وطقوس المجتمعات النيلية، مع اهتمام خاص بالنباتات والأوعية والطقوس والممارسات القديمة والمستمرة في مناطق النوبة ووادي النيل. ومن خلال الخزف تعيد قراءة أشكال ورموز تاريخية سودانية، لتجعل المادة نفسها حاملاً للهوية والمعرفة الممتدة من جيل إلى آخر.

وتقدّم ياسمين النور، الفنانة الرقمية والمصمّمة المقيمة في البحرين، معالجة مختلفة للتراث، إذ تمزج بين الفن الرقمي المعاصر والعناصر والزخارف المستمدة من الموروث السوداني.

وتركّز أعمالها على تفاصيل الحياة اليومية والطقوس والثقافة النوبية، مع اهتمام خاص بحضور المرأة في صناعة التاريخ.

وفي عملها (ما وراء الكنداكة) Beyond the Kandake تبتعد النور عن التركيز التقليدي على الملوك والحكام، لتستعيد أدوار النساء العاديات في المجتمعات القديمة، مثل حاملة الماء وصانعة الأواني والمعالجة وصانعة القرابين.

ويصبح استحضار هذه الشخصيات محاولة لتوسيع الرواية التاريخية وإبراز مساهمات بشرية واجتماعية ظلت أقل حضوراً في السرديات التي ركزت على الشخصيات الحاكمة.

ولا يقف المشروع عند حدود الأعمال الفنية، إذ يأتي معرض (الأرض تحمل) جزءاً من برنامج أوسع هو (ثقافات السودان الحيّة)، الذي يعمل على بناء صلة بين الماضي المادي للسودان والحاضر، من خلال التعاون مع الأكاديميين والفنانين وأمناء المتاحف والأفراد والمجتمعات السودانية في المملكة المتحدة والسودان وبلدان الشتات، بهدف تسليط الضوء على التراث السوداني الموجود في متحف بتري وإعادة تفسيره من زوايا معاصرة.

ويضم البرنامج المصاحب للمعرض لقاءات وجولات ونقاشات تتناول جوانب مختلفة من الثقافة السودانية. وشهد شهر أغسطس فعالية (حركات حديثة: المرأة في السودان) Modern Movements: Women in Sudan في 21 أغسطس، بمشاركة المؤرّخ رشيد الشيخ والكاتب دينان الأسد والفنان أحمد عكاشة، وناقشت أدوار المرأة السودانية وتحوّلات حضورها الاجتماعي والثقافي.

كما شهد 15 أغسطس جولة قدّمها عمر التيجاني، مؤلف كتاب (المطبخ السوداني) The Sudanese Kitchen، تناولت الصلات بين الثقافة السودانية المعاصرة والموضوعات التي تطرحها الأعمال الموجودة في المعرض. ويتضمّن البرنامج جولة أخرى في 5 سبتمبر، إلى جانب الفعالية الختامية المقرّرة في 17 سبتمبر.

ويستمر (الأرض تحمل) منذ افتتاحه في 7 نوفمبر 2025 حتى 19 سبتمبر 2026، مقدّماً تجربة مجانية تضع الفن المعاصر في حوار مباشر مع مقتنيات وادي النيل، وتمنح الفنانين فرصة لإعادة قراءة مواد تاريخية محفوظة في المتحف من منظور سوداني معاصر.

وبين القطعة الأثرية والعمل الفني، وبين ما تحفظه الأرض وما تستعيده الذاكرة، يطرح المعرض تصوّراً مختلفاً للتراث السوداني؛ تراثاً لا تنتهي حياته عند حدود المتحف، وإنما يواصل حضوره في الطقوس والمواد والحكايات والأدوار الاجتماعية، وفي قدرة الفنان المعاصر على إعادة النظر في الماضي واكتشاف ما يمكن أن يقوله للحاضر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع