رغم أني متوقف هذه الأيام عن الكتابة وبعيد حتى عن الإنترنت، إلا أن رحيل رئيس نادي المريخ السابق عمر عثمان النمير أعادني للكتابة فهي عودة طوعية أفعلها، دون النظر إلى نتيجة مباراتي القمة السودانية الهلال والمريخ في الدوري التمهيدي الأول لدوري أبطال إفريقيا.
انتصر الهلال وخرج بنتيجة أريحية خارج ملعبه الافتراضي وانتصر المريخ بصعوبة في كيغالي؛ لن أقف عند هذه النتائج الآن، ولن أعلّق احتراماً لحزن المريخ الذي نشاركهم فيه.
وقع خبر رحيل النمير عندي كالصاعقة، لم أستوعب الخبر، مع أن الموت حق، وهو مصير الأولين والآخرين، لكن عندما يرحل أمثال عمر النمير، دائماً نرفض أن نصدق الخبر عشماً، ونظن أن في عدم تصديقنا للخبر حياة، لكن يبقى الموت الحقيقة التي لا مفر منها ولا مناص، وليس لنا لمواجهته غير أن نحتسب من رحل عند الله، فهو في رحاب من لا يُظلم عنده أحد، ولن نقول في النهاية غير حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله.
رحيل النمير شكل لنا كل هذه الصدمة لأنه رحيل لشاب في مقتبل العمر، يتدفق نشاطاً وحيوية، إذ يبدو لنا كأنه اختار لنفسه هذا المصير، فهو قدم نفسه بصورة جيدة كرئيس للمريخ، أعتقد أنه أصغر رئيس في تاريخ القمة السودانية، وقد ينافسه في ذلك جمال الوالي، لهذا كان رحيل عمر النمير هو رحيل شخص يعرفه الجميع، كأنه فرد من أفراد أي أسرة سودانية.
ثم كان نشاطه الكبير في أعمال الخير أعظم حتى من نشاطه في المجال الرياضي وهو رئيس للمريخ، فهو قد اشتهر بتجهيز “حقائب طلاب المدارس” وإعداد ودعم “حلل التكايا” أكثر من شهرته كرئيس للمريخ أحد أعرق الأندية السودانية، بل والإفريقية، قدم النمير لآخرته، بعد أن كان داعماً لمعظم التكايا في ولاية الخرطوم وفي غيرها من مدن السودان في سنوات الحرب والجدب، فقد حضر النمير عندما غاب الجميع وكانت الحاجة للماء والأكل شديدة.
النمير كان عضداً لطلاب المدارس وهو داعم لوجبات إفطارهم ومجهز لحقائبهم الدراسية. وكان حاضراً في معظم التكايا داعماً ومعداً.
كأنه كان يدرك أن أيامه قصيرة في هذه الدنيا لذلك عمل لآخرته بهذه الصورة، نسأل الله أن يتقبل منه ذلك وأن يعوضه شبابه وأهله وداره.
في مثل هذه الفواجع لا ننظر إلى اللون السياسي أو اللون الرياضي، نحن نختلف في هذه الألوان ولكن في مثل هذه المواقف تغيب كل الألوان، لذلك لا ننظر إلى عمر النمير على أنه كان رئيساً سابقاً للمريخ، مع أن التعريف بالمريخ أمر يفتخر به من ينتمي إليه، إلا أننا في مثل هذه الأحزان نسقط كل البطاقات، والنمير هو ابن المريخ وابن الهلال، وقبل ذلك هو ابن السودان، ولا يعنينا الهلال والمريخ كثيراً في مثل هذه المواقف.
لذلك الذين انتقدوا الصفحة الرسمية للهلال لعدم تعريف النمير بالمريخ، أرادوا المتاجرة بمواقف تذوب فيها الألوان، أعتقد أن صفحة الهلال قصدت أن تنعي النمير كرجل قومي، للهلال فيه مثل ما للمريخ وإن كانت صفحة الهلال لم تكن موفقة في تقديرها هذا، لكن هذا أمر لا يعطي لبعض أصحاب النظرة الضيقة أن يقيموا عليها الحد، خاصة أننا في موقف نلتقي فيه جميعاً، لا أحسبهم فعلوا ذلك بسوء نية كما صور ذلك بعض صفحات المريخ التي لا يمنعها الرحيل المر لرئيس المريخ السابق أن تتجاوز مثل هذه الصغائر.
وإذا افترضنا أن صفحة الهلال قد أخطأت التقدير في ذلك، فما ذنب النادي حتى يُكال له كل هذا السباب؟ الهلال جمهورٌ وإعلامٌ وتاريخٌ وماضٍ ومستقبلٌ ووطن، وهذه أمورٌ مستقلة لا تختزلها صفحة؛ فهي لا تمثل إلا مجلس الإدارة واللحظة الحاضرة.
في بعض المجتمعات والأمكنة يمكن أن يُعرّف الأب بابنه فيقال أبو فلان، حتى وإن كان ابنه رضيعاً، ويشعر الأب بفخر بذلك حتى وهو يُعرّف بابنه ويحجب اسمه، ولكن إذا عُرّف الشخص باسمه فهذا لا ينقص منه ولا يشعره بالضجر وليس في ذلك تقليل من الابن.
مع ذلك تبقى أهم محطات عمر النمير هي أنه كان رئيساً لنادي المريخ، وشخصياً أنا عرفته بعد أن أصبح رئيساً للمريخ، لكن للنمير قيمته الشخصية المستقلة وله أعماله التي إذا نُسب إليها فإن ذلك شرف له لا يقلل من المريخ.
عموماً تعازينا لكل الأسرة الرياضية والسودان بصورة عامة والمريخ على وجه التحديد، ونسأل الله أن يتقبل من النمير أعماله ويغفر له ويرحمه ويجعله في عليين.