ثقافــة

(جمهورية الوقاويق) .. فتحي الضو يسائل الإسلاميين عن تدمير الدولة والحرب

مشاوير - تقرير : مجدي علي

يعود الصحفي والكاتب فتحي الضو إلى مساءلة تجربة الحركة الإسلامية في السودان عبر كتاب جديد سمّاه (جمهورية الوقاويق: الإسلاميون وتدمير الدولة السودانية)، واضعاً سنوات حكم الإسلاميين منذ انقلاب 30 يونيو 1989 في مواجهة سؤال الدولة ومؤسّساتها، قبل أن ينتقل بالتحليل إلى الحرب المندلعة في 15 أبريل 2023، في محاولة لربط هذا الصراع الراهن بجذور سياسية ومؤسّسية تمتد إلى عقود من حكم الإنقاذ.

الكتاب الذي يقع في نحو 200 صفحة موزّع على جزأين؛ يرصد الأول ممارسات الاستبداد والتمكين التي رافقت حكم الإنقاذ وما أحدثته من إعادة تشكيل لمؤسّسات الدولة وإقصاء منهجي للقوى المنافسة، وصولاً إلى سقوط النظام في 11 أبريل 2019 عقب ثورة ديسمبر، بينما يتجه الثاني نحو حرب أبريل 2023 محاولاً تفكيك دور الإسلاميين فيها.

ويأتي الكتاب ضمن السلسلة التوثيقية التي بدأها الضو بكتاب (الخندق)، ثم (بيت العنكبوت)، و(الطاعون)، و(الطوطم)، متناولاً في هذه الأعمال جوانب من مؤسسات الحركة الإسلامية الأمنية وتجربة دولة الإنقاذ.

يستمد الضو عنوان كتابه من سلوك طائر الوقواق، الذي لا يبني عشّاً خاصاً به بل يضع بيضه خلسة في عش طائر آخر، ليتخلص فرخه بعد الفقس من بيض المضيف أو صغاره ويستأثر برعايته وحده، مستخدماً هذه الصورة لوصف الطريقة التي يرى أن الحركة الإسلامية اتبعتها في التعامل مع الدولة، دخولاً إلى مؤسّسات قائمة أصلاً، ثم إحكام السيطرة عليها وإقصاء كل قوة منافسة، استناداً إلى التمكين الإداري والانقلاب العسكري.

وفي حديثه بالتزامن مع إطلاق الكتاب، وضع الضو عمله في سياق مشروعه الفكري والتوثيقي، معتبراً إياه امتداداً لجهده في كشف ممارسات الاستبداد وحماية الذاكرة السودانية من التزييف. كما رفض اختزال الحرب في سؤال “من أطلق الرصاصة الأولى؟”، وقال إن “لا توجد طلقة أولى”، معتبراً أن الحرب جاءت نتيجة لمسار طويل من تدمير مؤسّسات الدولة بدأ منذ 1981.

الكتاب الذي دُشّن في صالون الإبداع للثقافة والتنمية بالقاهرة، شهد حضوراً كبيراً من الصحفيين والكتّاب والمثقّفين والمهتمين بالشأن السوداني، وضاقت القاعة بالحاضرين حتى اضطر بعضهم إلى الوقوف. وأدار حفل التدشين الصحفي شوقي عبد العظيم، وشارك في النقاش كل من د.أماني الطويل، وإمام الحلو، وعامر علي الحاج، إلى جانب مؤلّف الكتاب.

وسرعان ما تجاوز النقاش عرض الأطروحة إلى تفكيك الأسئلة التي يطرحها الكتاب. فقد ناقشت أماني الطويل تحميل الحركة الإسلامية المسؤولية الأساسية عن تدمير الدولة، معتبرة أن السودان كان يعاني اختلالات وتشوّهات كبيرة قبل وصول الإسلاميين إلى السلطة عام 1989، فيما تناول إمام الحلو ما اعتبره تحاملاً على الثورة المهدية، مؤكّداً مكانتها في التاريخ السوداني، ورد الضو بأنه يحترم الثورة المهدية ويقدّر مكانتها، لكنه رصد في الكتاب بعض الهنّات والانتكاسات التي صاحبتها وامتدت آثار بعضها إلى مراحل لاحقة. أما عامر الحاج فاتفق بدرجة كبيرة مع أطروحة الضو، لكنه حاول التخفيف من تحميل الحركة الإسلامية وحدها مسؤولية ما آلت إليه البلاد من حرب وأزمات، ليرد الضو بأن الإسلاميين حكموا البلاد أطول فترة في تاريخ السودان السياسي، ولذلك، بحسب رؤيته، يتحمّلون الجزء الأكبر من مسؤولية تدمير الدولة.

وتفرّع عن هذا النقاش سؤال أوسع حول الدولة السودانية نفسها، وما إذا كانت اختلالاتها قد سبقت صعود الإسلاميين، أم أن تجربة الإنقاذ عمّقت تلك الاختلالات وحوّلتها إلى أزمة مؤسّساتية ممتدة. وبذلك بدا الحفل مساحة تقاطعت فيها رؤية المؤلف، التي تحمّل الحركة الإسلامية مسؤولية مركزية عن الخراب، مع أسئلة المشاركين التي وسّعت النظر نحو البنية الأعمق التي سمحت بصعودها واستمرار آثارها.

وفي حديثه عن الحرب، لم يتعامل الضو معها بوصفها مواجهة عسكرية عابرة بين طرفين، بل ربطها بالمسار السياسي والأمني الذي سبقها، وتحدّث عن تداخل الأسلحة والتمويل وأدوار أجهزة مخابرات إقليمية ودولية في الصراع، مؤكّداً أن فهم الحرب يتطلب النظر إلى العوامل التي قادت إليها والأطراف والقوى التي أسهمت في استمرارها وتعقيدها.

وفي ختام حفل التدشين، أعلن فتحي الضو تنازله عن حقوق طباعة وإعادة طباعة ونشر وتوزيع تسعة من مؤلفاته لصالح نقابة الصحفيين السودانيين، بينها (جمهورية الوقاويق). ووفق وثيقة التنازل المؤرّخة في 7 سبتمبر 2026، قال الضو إن الخطوة تأتي دعماً للصحافة السودانية وإسهاماً في إتاحة المعرفة والفكر للأجيال السودانية.

وأضفت مشاركة الفنانة نانسي عجاج بعداً فنياً إلى الأمسية، إذ قدّمت أغنية وطنية للحضور، قبل أن يُفتح باب النقاش والتوقيع على نسخ الكتاب الجديد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع