مقالات

العِلْمُ المَكْنُونُ.. عندما تصبح الشفافية حجاباً؟!

الجميل الفاضل

كل شيءٍ في هذا الكوكب صار مكشوفاً إلّا السرّ.

الشاشاتُ ترى، والخوارزمياتُ تتعقّب، والآلةُ تحفظُ الوجوهَ والخطواتِ والميول، وتجمعُ من فتاتِ الإنسان ما يكفي أحياناً لكي ترسمَ له غداً قبل أن يجيء.

حتى خُيِّل للإنسان أن الكونَ صار كتاباً مفتوحاً، وأن ما لم يُكشف بعد ليس إلا صفحةً تأخرت الخوارزمية عن بلوغها.

لكن من هنا يبدأ سؤال: هل كثرةُ ما نعرفه تعني أننا نعرف؟ أم أن المعلومةَ شيء، والعلمَ شيء، وأن صورةَ الشيء ليست الشيء، وأن الظاهرَ ـ مهما اتّسعت عيناه ـ لا يملك بالضرورة مفتاحَ الباطن؟

ربما كانت المفارقة أن الشفافيةَ الحديثة كلما أزالت حجاباً كشفت لنا حجاباً آخر.

فما يُلتقط بالكاميرا ليس ما يُعاش في القلب، وما يُحسب بالآلة ليس ما يُخلق في اللحظة، وما تتنبأ به الخوارزمية ليس بالضرورة ما ستختاره الروح حين تبلغ حافتها الأخيرة.

ولهذا ظلَّ في الإنسان شيءٌ لا يُرفع إلى سحابة، ولا يُحفظ في خادم، ولا يُختزل إلى صفرٍ وواحد: لحظةُ الهداية، لحظةُ الكشف، لحظةُ أن يقول القلب: نعم، أو يقول: كلا. فعلت أمُّ موسى ما لم تكن الخوارزمياتُ لتقترحه: “وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين”.

وقال موسى نفسه، عند البحر، عندما أُغلقت الحسابات كلُّها: ﴿كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، ذلك هو الفارق بين عقلٍ يحسب الاحتمالات، وروحٍ تُبصر المآل ولا تملك له دليلاً.

ولذلك لم يكن المكنون، في الكتاب، نقصاً في المعرفة، إنما أدباً مع المعرفة.

كان الإمام عليٌّ يتحدث عن علمٍ لو خرج من وعائه لاضطرب الناس كالأرشية.

وكان أبو هريرة يقول إن بحوزته وعاءين: بثَّ أحدهما، وأمسك الآخر الذي لو بثه لقطع منه البلعوم.

وللحقيقة، لم يكن الصمتُ دائماً جهلاً، كما أن الكلامَ ليس دائماً علماً.

أحياناً يكون كتمانُ المعنى رحمةً بالمعنى.

وأحياناً لا يكون السرُّ مخفياً تماماً، بل يكون ظاهراً إلى درجة لا يراه فيها إلا من أُعطي عيناً أخرى.

وهنا تكمن السخرية الإشراقية: قد يقرأ الذكاء الاصطناعي النصَّ كلَّه، ويحلل مفرداته، ويعرف مصادره، ويكتشف أنماطه، ويشرح رموزه، بيد أنه لا يذوق منه شيئاً.

لأن المعنى ليس دائماً ما يقوله النص، لكن ما يفتحه النص في قلب قارئه.

فالآلةُ تستطيع أن تسرق النص، لكنها لا تسرق التزكية.

تستطيع أن تعرف ما كتبتَ، ولا تستطيع أن تعرف ما الذي جعلك تكتبه في تلك الساعة، وبذلك القلب، وتلك الرجفة.

تستطيع أن ترى الأثر، ولا تملك بالضرورة سرَّ الماشي.

وقد تعرف ألف طريقٍ ولا تعرف لماذا اختار العبدُ في اللحظة الأخيرة الطريق الذي لم يكن في حسابه منذ البداية.

ذلك أن بعض الأقدار لا تأتي من الماضي كي تتنبأ بها الآلة، لكنها تأتي من بابٍ لا يُفتح إلا في الحاضر.

وهنا لا يعود السؤال: كم نعرف؟ لكن: ماذا فعل بنا ما عرفناه؟ فالعلم الذي لا يغيّر صاحبه قد يكون حملاً إضافيًّا من المعلومات، لا نوراً.

والعين التي ترى كل شيء، ولا ترى نفسها ما زالت عمياء.

لذلك، ربما كان أخطر أوهام العصر أن الشفافية تعني انكشاف الحقيقة.

لا، فقد تكشف الشاشةُ وجهك، ولا تكشف قلبك.

وقد تكشف الكاميرا خطوتك، ولا تكشف وجهتك.

وقد تجمع الآلةُ تاريخك كله، ولا تعرف سرَّ اللحظة التي قررتَ فيها أن تصبح إنساناً آخر.

فالسرُّ الإلهي ليس خزنةً نكسر قفلها، ولا ملفاً مشفراً نفك شفرته.

السرُّ أعمق من أن يُخفى، وأعمق من أن يُكشف.

إنه ذلك العمق الذي كلما ظننتَ أنك بلغتَه، وجدتَ نفسك عند بابه.

ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.

إذ ليست المشكلة في أن الإنسان صار يعرف كثيراً، لكن، المشكلة حين ينسى أن ما يعرفه هو أيضاً مما أُذن له أن يعرفه.

وهنا يعود المكنون لا بوصفه غموضاً، إنما بوصفه حدّاً من حدود الإنسان.

حدّاً لا تهدمه الخوارزمية، ولا تتجاوزه الشفافية، ولا تفتحه سرعة الآلة.

لأن بعض الأبواب لا تحتاج إلى كلمة مرور.

فقط تحتاج إلى قلبٍ تغيَّر.

وهناك، عند آخر ما تستطيع الشاشة أن تراه، يبدأ ما لا تستطيع الشاشة أن تعرفه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع