مقالات

السودان .. مقبرة المشروع الإخواني العالمي

إبراهيم هباني

لم تبدأ مأساة السودان في الخامس عشر من أبريل 2023. كانت الحرب خاتمة متوقعة لمشروع سياسي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في هدم الدولة، ثم ادعى أنه يقاتل لإنقاذها.

منذ انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، تعاملت الحركة الإسلامية مع السودان باعتباره غنيمة. أقصت المخالفين، وشردت المهنيين، وقدمت الولاء على الكفاءة، وحولت مؤسسات الدولة إلى أدوات لحماية التنظيم. لم تعد الدولة وطنا يتساوى فيه المواطنون، بل شبكة مغلقة توزع السلطة والمال على أهلها.

سقط عمر البشير، لكن النظام الذي بناه لم يسقط كاملا. ذهب الرئيس وبقيت شبكاته داخل الأجهزة والاقتصاد والإعلام ومؤسسات الدولة. غيرت أسماءها، وأخفت وجوهها، وارتدت ثياب الثورة أحيانا، ثم عادت لتقدم نفسها حارسا للدولة التي هدمتها.

كان ذلك أول أخطاء المرحلة الانتقالية: الاعتقاد بأن سقوط رأس النظام يعني موت جسده.

ثورة ديسمبر لم تهزمها مليشيا واحدة، ولم يسقط مشروعها المدني بخطأ منفرد. اجتمع عليها تحالف من المليشيات، والكتائب الإسلامية المسلحة، والحركات التي تحولت إلى جماعات نفوذ، وأمراء الحرب الذين يبيعون بندقيتهم لمن يدفع أكثر، في الداخل وخارج الحدود.

اختلف هؤلاء في كل شيء، واتفقوا على شيء واحد: منع قيام دولة مدنية تنهي تجارة الحرب، وتعيد السلاح إلى المؤسسة العسكرية، وتضع المال العام تحت الرقابة.

الثورة أرادت دولة، وهم أرادوا سلطة.

أرادت جيشا وطنيا واحدا، بينما احتاجوا إلى جيوش متعددة، يضمن كل واحد منها حصة قائده من الأرض والثروة والقرار. أرادت العدالة، وكانوا يبحثون عن الحصانة. أرادت إنهاء دولة التنظيم، بينما رأى التنظيم في الانتقال المدني تهديدا وجوديا لشبكاته ومصالحه.

ما المجلس العسكري الانتقالي، سيئ الذكر، وما جاء بعده من مجالس واتفاقات وانقلابات، إلا بعض حصاد ذلك المشروع. ظهر الجنرالات في الواجهة، وعملت خلفهم شبكات النظام السابق على إضعاف المدنيين، وتشتيت قوى الثورة، وإقناع السودانيين بأن البديل الوحيد للفوضى هو الحكم العسكري.

كانت مجزرة فض الاعتصام رسالة واضحة: لن يسمح تحالف السلاح والتنظيم بقيام سلطة مدنية أمام بوابة القيادة العامة. ومنذ تلك اللحظة، بدأ الإعداد لإعادة النظام القديم، لكن بوجوه جديدة.

ثم جاء انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، فسقطت أكذوبة الشراكة. أطيح بالحكومة المدنية، وعادت عناصر النظام السابق إلى المؤسسات، وفتحت أمام شبكاتها أبواب النفوذ والمال. لم تكن العودة خطأ إداريا، بل عملية سياسية منظمة لإلغاء آثار الثورة.

لكن من يعيد الوحش إلى الحياة لا يضمن السيطرة عليه.

القوة التي أنشأها نظام البشير لحماية حكمه تحولت إلى جيش مواز. والكتائب التي رباها الإسلاميون خارج العقيدة العسكرية أصبحت مراكز قوة. والحركات المسلحة التي دخلت الخرطوم باسم السلام أصبحت جزءا من سوق سياسي تحكمه البنادق.

امتلأت البلاد بالجيوش والقادة والوسطاء والممولين، واختفت الدولة بينهم.

عندما اندلعت الحرب، قدمت الحركة الإسلامية نفسها باعتبارها حليفا للجيش ومدافعا عن الوطن. وتجاهلت أن الجيش نفسه من أكبر ضحايا مشروعها. هي التي أخضعته للولاء السياسي، وأضعفت مهنيته، وأنشأت إلى جواره قوات وكتائب موازية، واستخدمته في حروب الداخل، ثم زجت به في صراع مدمر.

الدفاع عن الجيش لا يكون بتحويله إلى جناح مسلح لتنظيم سياسي، ولا بإغراق صفوفه بالكتائب العقائدية، ولا باستخدام شرعيته لاستعادة سلطة أسقطها الشعب.

الجيش الوطني يحمي الدولة، ولا يحرس مصالح حزب.

ظهرت خلال الحرب كتائب ذات مرجعية إسلامية، من بينها «البراء بن مالك» و«البنيان المرصوص»، إلى جانب تشكيلات ارتبطت بعناصر النظام السابق. وهذا لا يعني أن جميع من يقاتلون إلى جانب الجيش ينتمون إليها؛ ففي القوات المسلحة جنود وضباط يدافعون عن مؤسستهم وبلادهم. لكن الخطر الحقيقي هو محاولة التنظيم اختطاف الجيش وتوجيه الحرب نحو غايته السياسية.

وإلى جانب هذه الكتائب، تمددت تشكيلات مسلحة ومجموعات عمل خاص اشتهرت بخطاب التكفير والتحريض والقتل، وارتبطت أسماء بعضها بانتهاكات أو باتهامات خطيرة تستوجب تحقيقات مستقلة.

هذا المشروع لا يعيش إلا في الفوضى. ففي الدولة الطبيعية يخضع المال للمراجعة، والسلاح للقانون، والجيش للدستور، والمسؤول للمحاسبة. أما في الحرب، فيمكن نهب الأموال، وإخفاء الوثائق، وتصفية الخصوم، وإعادة تقديم المتهمين في صورة أبطال.

لهذا أصبحت إطالة الحرب مصلحة سياسية واقتصادية لمن يخشون السلام أكثر مما يخشون خراب البلاد.

المفارقة أن الحركة التي رفعت شعار «هي لله» انتهت إلى مشروع تحركه الثروة والامتيازات. باعت مؤسسات الدولة، وأفسدت الاقتصاد، وحولت الحرب إلى سوق. لم تعد القضية دينا ولا وطنا، بل سلطة تحمي المال، وسلاحا يحرس النفوذ، وخطابا دينيا يبرر الدم.

خلال ثلاثين عاما خسرت البلاد وحدتها، واندلعت الحروب في أطرافها، وانهار اقتصادها، واتسعت الهجرة. انفصل الجنوب، واحترقت دارفور، ونزفت جبال النوبة والنيل الأزرق، ثم وصلت النار إلى الخرطوم والجزيرة وكردفان.

ومع ذلك، يتحدث قادة المشروع كما لو أنهم لم يحكموا يوما. كأنهم لم يقرروا حربا، ولم ينشئوا مليشيا، ولم يهدموا مؤسسة.

يعرضون أنفسهم اليوم حلا للمشكلة التي صنعوها. يطلبون من السودانيين أن ينسوا من أقام دولة التمكين، ومن سلح القبائل، ومن أضعف الجيش، ومن أنشأ القوات الموازية، ومن حول السياسة إلى حرب دائمة.

ولا يعني رفض المشروع الإخواني تبرئة قوات الدعم السريع أو غيرها من الجرائم. فالقتل والنهب والاغتصاب والتهجير لا تصبح مقبولة لأن خصوم مرتكبيها أكثر تطرفا. العدالة التي يحتاجها السودان يجب أن تطال جميع المتورطين، مهما كانت راياتهم ومواقعهم.

ليس المطلوب استبدال مليشيا بأخرى، أو أمير حرب بآخر، أو إعادة تدوير الجنرالات داخل القصر. المطلوب إنهاء البنية التي صنعتهم جميعا: دولة التنظيم، واقتصاد الحرب، وتعدد الجيوش، والإفلات من العقاب.

أما عبد الفتاح البرهان ورهطه، فليسوا أصحاب مشروع مستقل كما يحاولون الظهور. إنهم أدوات تتحكم فيها الحركة الإسلامية، وتدفعها إلى حيث تريد، ثم تتبرأ منها متى انتهى دورها.

قد يسكنون بيت الضيافة أو القصر الجمهوري، لكنهم لا يملكون رؤية للدولة، ولا يدركون حجم ما فعلوه بالوطن والشعب، وهم الذين أقسموا على حمايتهما.

احتفظ البرهان بالرتبة والمنصب، واحتفظت الحركة بالشبكات والكتائب والقدرة على الحشد والتوجيه. تستخدم اسمه وشرعية الجيش لتصفية حسابها مع الثورة، بينما يدفع الجيش والشعب ثمن مغامرتها.

وعندما يحين الحساب، لن تتردد في تحميله المسؤولية وحده، كما فعلت مع البشير.

إن إعادة حكم الإخوان ليست مشروعا لإنقاذ السودان، بل المستحيل الذي يحاول بعض الجنرالات تحقيقه ببندقية الجيش. وحتى إذا سيطروا على مدينة أو عادوا إلى قصر، فلن يستعيدوا المجتمع الذي خرج ضدهم، ولن يمحوا ذاكرة الضحايا، ولن يعيدوا التاريخ إلى ما قبل ديسمبر.

قد تطول الحرب، وقد تتعثر الثورة، وقد يعتقد أصحاب السلاح أنهم انتصروا. لكن السلطة التي تقوم فوق الخراب لا تصنع نصرا، والدولة التي تحكمها الكتائب لا تستقر، والمشروع الذي يحتاج إلى حرب دائمة حتى يبقى يحمل أسباب سقوطه في داخله.

لقد جرب السودانيون حكم الحركة الإسلامية، ودفعوا ثمنه وطنا ممزقا، ودولة منهكة، وملايين القتلى والنازحين واللاجئين. لذلك لن يكون السودان بوابة لعودتها، مهما غيرت أسماءها وواجهاتها.

هذا الشعب الذي أسقط البشير لن يمنح تلاميذه تفويضا جديدا. والجيل الذي واجه الرصاص بصدره لن يقبل أن تحكمه كتائب التكفير وأمراء الحرب.

قد يتأخر الحساب، لكنه لن يسقط. وقد يتعطل مشروع الدولة، لكنه لن يموت.

أما المشروع الإخواني، الذي بدأ بانقلاب، واستمر بالقمع، وانتهى بالحرب، فلن يجد في السودان دولة يستعيدها.

سيجد مقبرته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع