تكتسب زيارة وفد قوى إعلان المبادئ إلى نيويورك بالتزامن مع انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أبعاداً سياسية واستراتيجية بالغة الأهمية في مسار الأزمة السودانية المحتدمة.
يأتي هذا التحرك في لحظة دقيقة يتداخل فيها البُعد الإنساني الكارثي مع حالة الانسداد السياسي، ليطرح الفاعل المدني نفسه كطرف أصيل وصاحب الشرعية الأخلاقية والسياسية في مواجهة خيارات العنف وحلول السلاح.
إن توقيت الزيارة، ومستوى التمثيل، ونوعية القضايا المطروحة جعلت من هذه الجولة الاختراق الدبلوماسي الأهم للقوى المدنية على الساحة الدولية. تتجلى المحورية الأساسية لهذا التحرك في القيادة التاريخية والسياسية للدكتور عبد الله حمدوك، رئيس حكومة ثورة ديسمبر المجيدة، والذي يمثل رمزية الانتقال الديمقراطي والشرعية السلمية المعترف بها دولياً.
إن وجود حمدوك على رأس الوفد يمنح الجبهة المدنية ثقلاً دبلوماسياً يفتح المغاليق في المنظمات الدولية ومراكز القرار العالمي، حيث يستند إلى قبول دولي وشعبية اختبرتها أوقات التحول الديمقراطي.
هذا الحضور القيادي يمنع القوى الدولية من اختزال السودان في معادلة طرفي القتال، ويفرض صوت الشارع السوداني وتطلعاته في أجندة اللقاءات رفيعة المستوى مع رؤساء الدول والحكومات والمنظمات الإقليمية.
تكمن القوة التفاوضية للوفد أيضاً في المظلة العريضة التي المنبثق عنها، إذ يعد تحالف قوى إعلان المبادئ أوسع مكون يجمع القوى المدنية والسياسية والمهنية في السودان منذ اندلاع النزاع. يضم التحالف مظلة “صمود” إلى جانب حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، وحزب البعث العربي الاشتراكي، والمؤتمر الشعبي بقيادة الدكتور علي الحاج، وحزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل، إضافة إلى التكتلات النسوية والشبابية والفئوية.
هذا الشمول العريض يسقط كافة ادعاءات الاحتكار السياسي، ويقدم صورة متماسكة لجبهة وطنية موحدة تتسامى فوق الخلافات الحزبية من أجل غاية استراتيجية واحدة هي إنقاذ البلاد ووقف نزيف الدماء.
تأتي الأجندة الإنسانية في صدارة محادثات الوفد في نيويورك، حيث يسعى الوفد لتسليط الضوء على تفاقم المجاعة وانهيار القطاع الصحي والمعاناة المتردية للسودانيين داخل البلاد وفي دول الجوار.
يركز الوفد على ضرورة فرض هدنة إنسانية عاجلة لضمان حماية المدنيين وفتح الممرات الآمنة لإيصال المساعدات دون عوائق، معيداً التأكيد على دور الأمم المتحدة وأجهزتها التنفيذية في القيام بواجباتها القانونية والأخلاقية.
وتكشف الكثافة المعلنة في جدول أعمال الوفد واللقاءات المؤكدة مع المسؤولين الدوليين عن تجاوز الوفد للضغوط والمحاولات التي بذلتها سلطة الأمر الواقع لتحذير المؤسسات الدولية من التعاطي مع التحالف المدني، مما يبرهن على الموقف الدولي المتفهم لأهمية الصوت المدني المستقل.
إن التحرك الدبلوماسي لوفد قوى إعلان المبادئ بقيادة الدكتور حمدوك يشكل خطوة حاسمة لإعادة صياغة التعاطي الدولي مع الملف السوداني. فمن خلال دمج الملف الإنساني المعقد مع الرؤية السياسية الشاملة للتحول الديمقراطي، يضع الوفد المجتمع الدولي أمام مسؤولياته المباشرة لحشد إرادة سياسية حقيقية تضغط على الأطراف المتحاربة لإيقاف العدائيات وتأسيس مسار سلمي مستدام يضمن استعادة الدولة المدنية ونزع الشرعية عن خيارات الحرب.