
منتصف الثمانينيات شكّل لحظة ميلاد فرقة عقد الجلاد، في مناخ ثقافي وسياسي مشحون عقب انتفاضة رجب/أبريل. لم تكن الفرقة مجرد تجربة موسيقية، بل كانت امتدادًا لحراك فكري وفني شارك فيه رموز بارزة من المشهد الثقافي السوداني، مثل يحيى الفضلي، قاسم أبو زيد، السر السيد، أبو القاسم قور، ومحمد عبد الرحيم قرني. هؤلاء وغيرهم ساهموا في التأسيس والتطوير، بينما تفاعل معها لاحقا فنانون كبار مثل وردي، محمد الأمين، والموصلي.
ما يميز عقد الجلاد في بداياتها هو أنها لم تنطلق من أيديولوجيا مغلقة، بل من بنية فكرية مرنة، استوعبت الدراميين والمفكرين قبل الموسيقيين، فغلب على تشكيلها الطابع الفلسفي والتأملي. وهذا ما جعلها تدخل البيوت السودانية من باب الأسرة قبل الشباب، وتصبح ملاذا ثقافيا واجتماعيا في زمن كانت فيه الحاجة ماسّة لصوت مختلف.
الفرقة اعتمدت على الصوت البشري كأداة موسيقية أساسية، في وقت كانت فيه الآلات محدودة. هذا التوظيف الذكي منحها قبولًا واسعا، خاصة وأن أسلوبها الغنائي وتنفيذها الموسيقي كانا مختلفين تماما عن السائد. وحتى اليوم، لم تظهر تشكيلة غنائية تضاهي عقد الجلاد في شكلها القديم، الذي أراه شخصيا أكثر أصالة، خاصة في أعمال مثل “أمونة” و”الدوزنة” والخرطوم بالليل.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل سنة الحياة والتطور، ولا إنكار أن الأجيال الجديدة قد لا تستوعب الشكل القديم بنفس الحميمية، خصوصا في ظل الهجرة، التغييرات الاجتماعية، والانقسامات التي قلّصت من حضور الحرس القديم داخل الفرقة.
عقد الجلاد لم تكن مجرد فرقة غنائية، بل كانت وعدا ثقافيا بحياة أكثر اتزانا، وصوتا جماعيا يُشبهنا في الحلم والوجع. لكنها اليوم تقف على أطلال ذلك الوعد، مثقلةً بالتفكك، والانقسام، وتراجع جودة الأعمال. لم يعد الصوت كما كان، ولا الفكرة كما وُلدت. ما نراه الآن هو ظلٌ باهت لمشروع كان يمكن أن يُعيد تشكيل الوجدان السوداني، ويمنح الشباب نافذة نحو الأمل.
عقد الجلاد اليوم تُشبه أحزابنا منقسمة، مرهقة، تائهة بين المجد القديم والواقع المبتور. وستظل مجرد ذكرى جميلة، نُرددها في الحنين، لا في الحفلات.



