
مهجر الكتابة
لم تعد في ذلك الوقت الكتابة وحدها مستحيلة، بل كانت الحياة أيضًا غير ممكنة. ولكن مالم يستطع الحاكم إغلاقه هو الأفق. الذي يمتطُ إلى ما لا نهاية؛ الذي يتشهى حفيفَ الأجنحة. فكلما ضاق المكان، طالت الأجنحة، واتسع الأفق، حينها طار مِنَّا من طار، ومن لم يطر؛ فقد جناحيه أو كاد أو تعلم فلسفة الزحف.
عندما عبرتُ الفضاء إلى أوربا، لم أكن أبحث عن مجدٍ مالي، أو أسعى لفائدة مادية. في الحق، لم أذهب لنيل معرفة، ولو أن الأخيرة نيلها هبة. كنت أبحث عن مكان آمن للكتابة، بعيد عن يد الشرطي، وعصا رجال الأمن، وألسنة القضاة، وخوذات العسكر، وظنِ الظانين. مكان يبطل فيه سحر قانون المصنفات الأدبية والفنية لسنة ٢٠٠١. ذلك القانون الذي يحدد للكاتبة والكاتب ما يُكتبُ، وما لا يجب أن يُكتبْ. كنتُ أبحث عن سقيفة لا خوف تحتها ولا مخافة: “منضدة، وبعض الهدوء، وخيال طليق”.
إذن، كنتُ أبحثُ عن مهجر للكتابة. وظننتُ، وليس كل الظن إثم، أنني عندما أحط رحالي في تلك البلاد البعيدة، التي في أحلامنا هي أرض الحرية، سأجد ما سألت. وحدثتُ نفسي أن أتفرغ للقراءة والكتابة. فلقد عملت في بلدي ما يكفي، مارست صنوفًا مختلفة من الأشغال: تلميذُ خياط، معلمٌ بالمدارس، ثم بناء، ثم معلمٌ في مدارس اللاجئين الارتريين، ثم خياط، ثم موظفٌ في منظمة بلان العالمية، ثم مستشارٌ في اليونيسف ورعاية الطفولة السويدية، ثم خياطٌ مرة أخرى، ثم مديرٌ في أحد مشروعات البنك الدولي، ثم هاربٌ من بطش الباطشين.
نعم، كنت أبحث عن مهجرٍ من أجل الكتابة، لا أبحث عن مال أو وظيفة. ولكن، ما حدث كان غريبًا ولو أنه واقعيًا وربما سأقبله برحابة صدر لو لا أنني كنت أحمل آمالا كبيرة، وحلمًا بُنِيَّ على الظنون. ففي دولة المهجر الأولى، لم يسع النظام الإداري، إلا وأن يعاملني كلاجئ جاءهم لمكاسب اقتصادية، وعليهم مساعدته في تحقيق هدفه مباشرة دون لف أو دوران:” تعلم اللغة ثم سيجد لك مكتب العمل وظيفة”.
وتلك حكاية سيطول بيانها. ولكنني قررتُ أن أصبح لاجئًا في دولة أخرى. على الرغم من أنني قضيتُ في الدولة الأولى أحد عشر عامًا، وتعلمت لغتها ولم يكن الأمر سهلًا، فلغتهم معقدة وانفقت في تعلمها زمنًا عزيزًا. ولستُ نادمًا. فقد فتحت لي تلك اللغة؛ آفاقًا كنت أجهلها عن آدابهم. وربطتني بمواطنيهم حيث تكونت بيننا صداقات ما زلت اعتز بها. وثمرة تلك العلاقة الشعبية غير الرسمية: ثلاثة كتب باللغة الألمانية، وهي نصوص قصيرة سميتها “كسلا،” وكتاب للأطفال وسمته بالبحيرة المسحورة، ورواية الغراب الذي أحبني، وقد كتبت الأخير ابان منحة للتفرغ من أجل الكتابة لعام واحد في مدينة غراتز Graz بالنمسا.
مهجري الجديد من أجل الكتابة، كان مدينة باريس. فيها وكيلتي الأدبية، وهي صاحبة دار زولما Zulma، التي نشرت لي رواية مسيح دارفور، ورواية الجنقو مسامير الأرض، ورواية سماهاني، ثم في هذا العام رواية الغراب الذي أحبني. وقد قام بالترجمة البروفيسور والمستشرق البلجيكي اجزافييه لوفان Xavier Luffin عميد كُلية اللغات والاتصال بجماعة بروكسل الحُرة.
هذه الترجمات الى الفرنسية فتحت لي بابا، صوب لغات أخري، فترجم لي الدكتور سلفادور بنييا، رواية مسيح دارفور للإسبانية، ثم ترجم أيضا رواية سماهاني. وفي هذا العام ترجم الدكتور روفائيل أورتيغا، روايتي الأشوس إلى الاسبانية أيضًا. وعن طريق وكيلتي الفرنسية، نقلت مسيح دارفور للنرويجية. في حقيقة الأمر، أن الترجمة الإنجليزية، لرواية الجنقو مسامير الأرض ومسيح دارفور التان انجزهما الأستاذ عادل بابكر، هما كانا مفتاح السر بالنسبة لوكيلتي الفرنسية، ففي هذه المهاجر، لا يمكن أن يقبل ناشر روايتك، ما لم يقرأها بنفسه، بلغة يجيدها هو، فقد وفرت لها الترجمة الإنجليزية سبيل الاضطلاع المسبق على النصوص.
في السياق نفسه، حصلت أعمالي على ترجمة المانية، انجزها الدكتور غونتر أورت، والدكتورة لارسا بندر الالمانيان. والغريب في الأمر، تمت ترجمتي إلى لغات أفريقية، مثل الامهرية والسُواحلية، وإلى اللغة الكوردية، بعد الهجرة، أو مكوثي في المنفى.
كل الروايات التي نُشرت لي وأنا في بلاد المهجر، هي كتبٌ قديمةٌ. كتبتها وأنا في بلدي، ما عدا رواية الغُراب الذي أحبني، التي نشرت أولا بالألمانية، ثم بالعربية، والفرنسية، وترجمتها الدكتورة مرشيلا روبينو إلى الإيطالية، إذن، ما هي كتابة المهجر؟
قبل أن ننتقل إلى كتابة المهجر، أريدُ أن أقول إن المهجر للكاتب هو المنفى بعينه، ويظل وطنه هو بوصلة أحلامه وتفكيره. أنا لا أؤمن بفكرة أن يصبح الكاتب أو الإنسان نسخة للمكان الذي هاجر إليه. ولا أن يظل كما هو أي؛ وكأنه لم يبرح بيت أمه شبرا. أقصد، أن المهجر هو هُوية تُضاف إلى هُويات الشخص التي لا يمكن حصرها. أي أن المَنْفَى يبذر في المَنْفِى فسيلته، ويبذر المنفِيُ أيضا فسيلته في المنفَى. فلم يعد المنفَى كما كان ولا المنفِي. وكما كتبت سابقًا: “ليس المنفى في كل الأحوال المنفى، قلبك منفاك الأعظم”.
كتابة المهجر
عندما تجد نفسك فجأة لاجئ، فأنت لست خارج وطنك فحسب، بل خارج كل شيء: أهم تلك الأشياء، اللغات كلها، لأنك ستصبح خارج لغة المكان، ولغة الزمان ولغة الأحداث، والتأريخ، بل خارج لغة الجسد والعاطفة، ولغة ذاتك ووجودك. وهذا ما يطلق عليه البعض لقب الأجنبي. فالأجنبي، ببساطة، هو شخص خارج اللغات.
في وطني، كنت أستوحي قصصي من تلك اللغات، واهمها الإنسان الذي أعرفه جيدًا ويعرفني. ذلك المكان الذي أنجبني وأنجبته. تلك الرائحة وذلك الأنف الذي يميز ما بين الريح الغربية والجنوبية ويقرأ المواسم ولا تغافله الأمطار، ويستدرك المعني والذاكرة: “أنفي لغتي”..
إذن، ماذا أكتب في المنفى، وأنا دون لغة، وجسد ورائحة؟ حيث جئت إليه أعزلًا بحنجرة معطوبة وأنف مجدوع وبأذني طنين الصحراء، وأنين الغابات ولثقة طين النيل؟ ولجت المنفى وقد تركتني في وطني!
إذن ماذا أكتب؟ عندما يشعر حيوان المُدرع بالخوف، فإنه ينكمش على نفسه. فهذا ما فعلته: “سأكتب عن اللاجئ والمنفى”. سأكتب عن نفسي كآخر، لكي اتجنب فضائحي وانسبها إلى مخلوقات ورقية من صُنع أوهامي، أقصد لكي اتجنبني كآخر في الذات نفسها، أن أحتال عَليَّ، أمزقني وأصنع من أشلائي كائنًا خياليًا سيتعايش مع أسئلة المنفى.
شرعتُ في كتابة خُماسية الغُراب الذي أحبني، وأنا ذلك الغراب وذلك الذي أحبه. وهي خمس روايات قصيرة، استلهم فيها المنفى، كآخر في الذات نفسها. بدأتها برواية الرجل الخراب في العام ٢٠١٦، وبنيت الرواية على قصيدة الأرض الخراب للشاعر تي إس إليوت: “استنطقت فيها الصدمة”.
ثم رواية “الحياة الأخرى لزكريا”. ذلك الشخص الذي يموت كثيرًا، مات مرات لا يدري عددها، ولا يحيا إلا لماما. شخصٌ لا وطن له، ولا اسم له، وله كل الأسماء، وليس بإمكانه أن يحب أو يكره، فهو موجود في كل الأمكنة، وكل الأزمنة، وليس موجودا في أي مكان أو زمان. استلهمت الشخصية من أحد مبادئ الفيزياء الكمومية، وعلى خلفية لقصيدة للشاعر آرثر رامبو: “استنطقُ فيها أزمة الهويات”.
ثم، كتبت رواية، “سجينُ البرزخ”، وفيها، استحضرت بعض أبطال رواياتي السابقات، حضروا إلي في مدينة مونبلييه، كل منهم يحمل نصه. وصنعت من تلك النصوص كولاج، وسميته الكولاج الذاتي، لأنه من نصوص تخصني، وليس من أعمال لآخرين، وتلك كانت تجربة صعبة، أن تصنع من نصوص مختلفة نصًا متكاملًا لا يحتاج فيه القارئ الى الرجوع لنصوص أخرى ليستدرك منه معنًا. بينما أظهرُ فيه بصورة جلية مصادري، فإنني أخفيها أيضًا، وتلك كانت لُعبة، احتاجها من أجل أن أكون وسط أبطالي، أن أخفف من ضغط الغربة، وعزلة المهجر وقسوة اللغات وأبدو متماسكا أمام أعين الغرباء وأسئلتهم. وجدير بالذكر أنني تحدثت في هذه الرواية، عن التجارب الفرنسية النووية في صحراء الجزائر من قبل الفرنسيين في ستينيات القرن الماضي، وأثرها المدمر على البيئة والإنسان: “استنطقتُ فيها الخوف”.
ثم، كتبت رواية، “وفي الليلة السابعة استراح”، وهي حلمي في العودة من المنفى لبلادي. حيث يعود بطل الرواية إلى مدينة خشم القربة، موطنه الأصلي في السودان، يعود فقيرًا بساق واحدة، وجسد نحيل، وذقن بائلة وشعر كث أغبر. بملابس رثة، وبه شميم التشرد، وهو عطر المنافي الزنخ، منكسرًا. وخوفًا من الفضيحة، وكسر قلب أمه، اختفى في وكر مهجور في أطراف القرية، وهو بيت قديم يطلق عليه السكان بيت الشيطان، وأخذ يكاتب أمه وأصحابه بواسطة الرسائل النصية، مدعيًا أنه ما زال يعيش في باريس، منعمًا وثريًا ومستمتعًا بعظمة المكان: “استنطقتُ فيها كابوس العودة”.
والرواية، الأخيرة في هذه السلسلة هي رواية “الغراب الذي أحبني”. وهي النغمة الجنائزية في سيمفونية المنفى، نهضت على قصيدة الشاعر الأمريكي إدجار آلان بو، الموسومة بالغراب The Raven: ” استنطقت فيها الموت”.
في المنفى، حصلت على عدة جوائز عالمية، وتم تضمين رواية مسيح دارفور في المنهج الدراسي للجامعات في ثلاث سنوات متتالية، ثم منحتني وزارة الثقافة الفرنسية وسام فارس للفنون والآداب “”chevaliers des Arts et des Lettres. ولكن، أيحسب هذا تعويضًا مناسبًا للحرمان من العيش في الوطن؟
ختام: قد يظن القارئ، أنني حزين ومتشائم، وأنني لم أحصد من الغربة سوى بعض الرماد. بالطبع لا. لأنني عندما حصدتُ رمادًا؛ جمعته في سلة واحدة، ثم نفخت فيه من روح المنفى، فصار أجنحة، وتلك هي التي أحلق بها الآن.
باريس ١٩-٥-٢٠٢٥
(*) كاتب روائي



