
عندما صدرت “اللحن المفقود” لأول مرة، لم أكن أعلم إلى أي مدى يمكن أن يلامس هذا العمل وجدان القارئ العربي. كتبتها بدفء الذكرى، وبصوت الطفولة حين تختلط الأحلام بالمطر، وينشق القمر في ذاكرة صبي لم يتجاوز عتبة الفجر. كانت الرواية، بالنسبة لي، عودة إلى القرى التي شكلت وعيي، وإلى وجوه لا تزال مطبوعة في طين القلب.
واليوم، بعد أن وجدت الرواية طريقها إلى قلوب كثيرين، وها هي تبلغ طبعتها الثالثة عشر وقد كانت موضوعا رفق اخريات لنيل درجة الدكتوراة بجامعة جزائرية ، أشعر كما لو أن نادر – بطل الرواية – لم يعد مجرد شخصية على الورق، بل صار شاهداً على تحولات القرية، وتبدل القيم، وضياع اللحن في صخب العالم. وأشعر أن عبد القيوم، ذاك الذي حمل الحنان على كتفيه وواجه الجرح صامتاً، بات رمزاً لأناس حقيقيين تقابلهم كل يوم.
هذه الطبعة الجديدة ليست فقط إعادة نشر، بل هي أيضاً إعادة قراءة. أضفتُ إليها بعض التنقيحات، وبعض الظلال التي خفَّت أو غامت في الطبعات السابقة. حاولت أن أستعيد فيها بعض النبض الذي قد يغيب حين يُعاد ترتيب الحكاية. لكنني تركت للقارئ الحق في اكتشاف ذلك بنفسه، فالرواية – كما المطر – لا تهطل مرتين بالطريقة ذاتها.
إلى أولئك الذين رأوا في هذه الرواية جزءاً من حيواتهم، وإلى من وجدوا فيها مرآة لذواتهم، أهدي هذه الطبعة. وها أنا أعود إلى الراكوبة المستطيلة، إلى جريد الطندب، إلى صحن الكسرة، وإلى دعاء الأم حين يهدد الرعد سقف الطين… أعود لأهمس معكم: لم نفقد اللحن، فقط نحن في رحلة بحث طويلة
عنه.



