السودان بين تصعيد عسكري في الخرطوم ومعارك حاسمة في دارفور ومساعٍ دولية متعثرة
تقرير - رشا رمزي
تعيش الساحة السودانية على وقع تصعيد غير مسبوق يجمع بين تحركات عسكرية متسارعة للجيش في إقليم دارفور، وهجمات مكثفة بالطائرات المسيّرة لقوات الدعم السريع في قلب العاصمة الخرطوم، بالتوازي مع محاولات دبلوماسية تقودها الأمم المتحدة عبر مبعوثها الخاص رمطان لعمامرة، في محاولة لوقف نزيف الحرب المستمر منذ أكثر من عام.
ففي تصريح ميداني لافت، أكد الفريق ياسر العطا، مساعد القائد العام للقوات المسلحة، أن الجيش بات قريبًا من مشارف مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، وهي المدينة التي تمثل عقدة ميدانية وسياسية معقدة في الصراع. تصريحات العطا جاءت خلال جولة تفقدية للقوات في ولاية النيل الأبيض، حيث شدد على أن التقدم نحو الفاشر يجري وفق خطط مدروسة، مع التركيز على حماية المدنيين المحاصرين داخلها والذين يواجهون أوضاعًا إنسانية بالغة القسوة. وأوضح أن المعركة ليست فقط عسكرية، بل تحمل أبعادًا إنسانية تتعلق بمصير مئات الآلاف من السكان.

في الوقت نفسه، كشف العطا عن خطة انتشار أوسع للجيش تشمل مدنًا استراتيجية أخرى مثل بابنوسة والدلنج وكادقلي، في إشارة إلى أن العمليات العسكرية لم تعد مقتصرة على دارفور، بل تستهدف استعادة السيطرة على نطاق أوسع من البلاد. هذا التوسع يعكس رغبة الجيش في فرض معادلة جديدة على الأرض بعد أشهر من المعارك المتقطعة التي أنهكت الطرفين.
لكن بينما يحاول الجيش استعادة زمام المبادرة في الغرب، جاءت التطورات في الخرطوم لتقلب المعادلة. فقد شهدت العاصمة تصعيدًا عسكريًا هو الأعنف منذ اندلاع الحرب، عندما شنت قوات الدعم السريع سلسلة هجمات جوية بطائرات مسيّرة، استهدفت مواقع استراتيجية وحيوية. وأسفر القصف عن مقتل اللواء أبو عبيدة فضل الله، الملحق العسكري السابق في إثيوبيا، إثر استهداف مبنى الأمن العسكري في كافوري، كما تضررت منشآت أساسية بينها محطة كهرباء المرخيات ومصنع اليرموك العسكري ومصفاة الجيلي.

الهجمات لم تقتصر على خسائر بشرية ومادية، بل أفضت إلى انقطاع واسع للكهرباء في أم درمان وأجزاء من شمال بحري، ما كشف عن هشاشة البنية التحتية في مواجهة حرب طويلة الأمد، وأثار مخاوف من انهيار الخدمات الأساسية في العاصمة. وبدا واضحًا أن الدعم السريع اختار استراتيجية استنزاف تعتمد على الطائرات المسيّرة الانتحارية لاستهداف المنشآت الحيوية، في رد مباشر على التقدم العسكري للجيش في كردفان ودارفور.
المشهد الميداني المشتعل ترافق مع حراك سياسي دولي تقوده الأمم المتحدة. فقد وصل المبعوث الأممي رمطان لعمامرة إلى نيروبي لعقد لقاء مباشر مع وفد من تحالف السودان التأسيسي برئاسة عبد العزيز الحلو. وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعٍ لإحياء مسار تفاوضي شامل يضم القوى السياسية والعسكرية السودانية. غير أن التوقيت يعكس صعوبة المهمة، إذ تجري هذه الجهود وسط تصعيد عسكري متسارع يهدد بنسف أي محاولة للحوار.

ورغم أن لعمامرة أعلن عزمه جمع مختلف الأطراف السودانية حول طاولة حوار، إلا أن واقع الميدان يفرض نفسه بقوة؛ فبينما يعلن الجيش نيته دخول الفاشر، ترد قوات الدعم السريع بضرب العمق الاستراتيجي للعاصمة. وبين هذين المسارين المتناقضين، يجد المدنيون أنفسهم مرة أخرى الضحية الأكبر، محاصرين بين القصف والجوع وانهيار الخدمات.
إن التطورات الأخيرة تكشف أن الصراع في السودان يدخل مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث لا يبدو أن أياً من الطرفين مستعد لتقديم تنازلات في هذه المرحلة. فالفاشر باتت عنوانًا لمعركة الحسم في الغرب، فيما تحولت الخرطوم إلى ساحة مواجهة جديدة بالطائرات المسيّرة، بينما تظل مبادرات التسوية السياسية رهينة لإرادة السلاح وحسابات الميدان. وفي غياب اختراق حقيقي في المسار التفاوضي، يبدو أن البلاد تتجه إلى مزيد من التصعيد، بما ينذر بكارثة إنسانية أكبر من تلك التي يشهدها السودان اليوم.



