مقالات

أيام في الامتداد (2)

عبد الحفيظ عكود

في الحلقة الأولى من سلسلة أيام في الإمتداد، والتي ستمتد إلى أكثر من ذلك لأنني ابتعدت عن الإمتداد، ذلكم الحي المتفرد بجسدي فقط إلا أن روحي وقلبي ما زالا متعلقان بالمكان الذي ولدت وترعرعت فيه وعشت فيه أيام الصبا بمدرسة الإمتداد بنين مروراً بالخرطوم جنوب2، ومدرسة جمال عبد الناصر، وجامعة النيلين كلية القانون.

في المقال السابق سردت قصة عودتي للوطن الصغير الإمتداد بعد غياب دام ثلاث سنوات لم نعايش فيها فترة الحرب داخل حينا الوريف، وكم غيرت سنوات الشقاء من ملامح العاصمه الخرطوم وإنسانها الذي واجه كل صنوف العذاب من سرقة وتهجير وقتل واغتصاب واعتقال من قبل المليشيا الإرهابية، وكم كانت المشاهد والشواهد عنوانها العريض.. دمار شامل عبر الطريق الذي سلكناه من الخرطوم بحري إلى الإمتداد، قادمين من ولاية نهر النيل ـ قرية البواليد ـ التابعة لمحلية المتمة مسقط رأس العكوداب فرع عكوداب القرير الشمالية مركز مروي.

توقفنا في محطة كنار للإتصالات أو كلية كمبيوتر مان، منها استقلينا ركشة متوجهين للإمتداد التي دخلناها والشمس تكاد أن تغيب والشوارع يغيب منها المارة رويدا رويداً رويداً، وبانت الميادين والسوح المليئة بالحشائش والأشجار كثيفة أمام المنازل الخالية من سكانها إلا ما ندر من أسر يجلس شبابها خارج المنازل يجهزون الأسرّة والناموسيات تفادياً للبعوض والوبائيات والحميات التي أصابت اهل الإمتداد في الفترة الماضية ولم تخل كل ولاية الخرطوم من مرضة حمي الضنك، إلا أن مكافحتها بالرش والمبيدات وقطع الأشجار قد قلل كثيراً من تواجد المرض حاليا.

حرصت علي اختلاس نظرات على كلية النهضة، التي كانت مقراً للأوباش المتمردين، الذين فعلوا بهذه الكلية، كل صنوف الإجرام من قنص واعتقال، وضرب ونهب، شاهدنا تلك المشاهد من خلال الفيديوهات التي كانت ترد إلينا عبر الوسائط المختلفة والتي حكت أبشع جرائم القتل التي نال منها أبناء الإمتداد الشهداء حمدتو، وياسر الحاج، وعصام والوسيلة، وغيرهم من أبناء الامتداد الأبرار الذين قتلوا بدماء باردة.. وامتد سيل الشهداء إلى الصحافة، واتذكر منهم شهيد كلية الرازي إبن الكابتن التاج محجوب، علي سبيل المثال لا الحصر.. فقد فقدنا أحباء أعزاء في الإمتداد وما جاورها من مناطق.

دخلنا بعد مرورنا مربعات ١٣..١٤…١٢.. وسوق الندى ومسجد التقوي دخلنا مربع ثمانية قلب الإمتداد النابض، والتقينا أولاً بالجيران والأحباب عبده خضر، والنعيم وابنه نزار معتصم الشيخ، وأمام منزل أبوشامة، التقيت الإخوة النصير وحافظ قرجاج، وفؤاد وعزالدين، وجارنا الجديد عبدالله، ومن ثم التقيت آخرين عند الصلوات بمسجدي التقوى والأمل، واتضح لي أن الأسر التي عادت بعد الحرب قليلة ومعظمها تخلو من الأبناء، والزوجات الذين بقوا في الولايات المختلفة التي لجأوا إليها وادخلوا أبنائهم في مدارسها كما فعلت أنا فضلاً عن الأسر التي غادرت خارج السودان وفضلوا تعليم أبنائهم هناك إلى حين الإستقرار الكامل وتوفر خدمات الكهرباء والمياه والصحة.

 وبالنسبة لتلك الخدمات وجدنا أن مستشفيات الإمتداد عادت للخدمة وكذلك الأسواق والمياه عادت خطوط، ووصلتنا البشريات عندما عدنا بأن المياه عادت بصورة شاملة في جميع الخطوط بعد مجهودات كبيرة ومقدرة من قبل صندوق الإمتداد الخيري الذين قاموا بحفر آبار بلغ عمقها ٢٠٠ مترا في كل الإمتداد وقاموا بضخ تلك المياه وشملت كل المنازل، مع اقتراب عودة التيار الكهربائي للحي.

سنعود في حلقة قادمة للحديث عن شباب صندوق الإمتداد الخيري، وما قاموا به من مبادرات خلال فترة الحرب وما بعدها وما هو مطلوب منهم في الفترة المقبلة فيما يخص الناحية الأمنية وإعادة قسم الإمتداد، للخدمه بعد التدمير الممنهج وحرق كافة المستندات بداخله، ولا نغفل الأدوار والمساهمة المجتمعية وشباب الإمتداد في تأهيل هذا المرفق الهام والحيوي في حماية الأسر من السرقة والنهب الذي بدأته المليشيا الإرهابيه وانتقلت بالعدوى إلى آخرين غير الحرامية العاديين والأدهى والأمر ونقولها بصراحه أن بعض شباب الإمتداد والمناطق المجاورة أصبحوا بعد الحرب بدون عمل ويعوضون ذلك بالسرقة ليس للأكل فقط لأن التكايا ما زالت مستمره في الإمتداد، لكن للأسف يسرقوا من أجل الكيف بمختلف أنواعه، لذلك لا بد من ردع هؤلاء الشباب، وحسب ما سمعت من الجيران أنهم معروفون لديهم والله من وراء القصد وهو يهدي إلى السبيل.

 

آخر الحروف

 

شكرا جميلا.. صندوق الإمتداد الخيري.. 

 

ولنا عودة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع