مقالات

“أضحكي”: الأمن حين ينافق الفن (3/1) 

صلاح شعيب

لم نفهم مغزى زيارة رئيس جهاز الأمن مفضل لعدد من المبدعين من بينهم عركي، خصوصاً أن هذا شأن أدعى بأن يتولاه وزير الثقافة.

ولكن الأمر غير مستغرب إذا أدركنا أن جهاز قوش كان قد استقطب عدداً من المبدعين في محاولة للتطبيع مع المجتمع.

ومن ناحية ثانية سعى إلى خلق صورة إيجابية لجهاز الأمن الذي ارتبط في ذهن السودانيين جميعاً بأنه أداة قامعة، وغير رؤوف بقطاعات المجتمع كلها، ومن ضمنهم الفنانون الذين يرفض إجازة عرض مسرحياتهم، ويقوم صبية متنفذة باقتحام مهرجانات التكريم للمبدعين الذين رحلوا، بوصف أن يساريتهم لا تخول لجمهورهم الاحتفاء بهم. ولا ننسى أن الأمن كان يرسل منسوبيه لإفشال حفلات عركي نفسه لمنعه من غناء “أضحكي”!!

وبخلاف قوش كان للبشير أبناؤه الذين أطلقهم وسط الفنانين ليستقطبهم ضمن مشاريع لتثبيت سلطته. ذلك بعد أن اكتشف لاحقاً أن الفنان مثل محمود عبد العزيز، واليمني، وزيدان، ومحمد ميرغني، ينبغي ألا يُجلدوا، وإنما يُوظّفوا عوضاً لصالح النظام كما قدروا.

وكان هذا الإجراء السلطوي قد أعقب فشل مشروع أسلمة الفن الذي ابتدره الراحل أحمد عبد العال بمباركة الترابي، ودعمته وزارة عبد الباسط سبدرات التي سكتت عن جلد الفنانين، وأمنت على أهمية إيقاف تدريس رواية الطيب صالح في جامعة الخرطوم.

أما وإن كان مفضل، ومن قبله قادة عسكريون يريدون أن يتقربوا من المبدعين لضرورات التوسع الأمني، وغسل الماضي الكئيب فإن الحصاد قليل لا شك في خاتم المطاف.

فعند الاعتماد على العلاقة القديمة المتجددة بين المثقف والسلطة فإن التجارب في التوافق بينهما دلت على بوار فكرة التطبيع. فما بالك إذن لو اضطلعت بمهمة التقارب أسوأ أداة للسلطة تلك التي تستخدمها – قبل تدجين الفنان – لتزوير إرادة الناس. والفنان عندئذ هو المعبر الحقيقي عن أحلامهم، وتطلعاتهم القصوى لوجود نظام ديمقراطي شفاف، ويسمح بالحرية في عرض العمل الفني.

فمفضل حين يلتقي بعركي على الأقل لا يعرف – وقد يعرف – مصب العمل الفني الذي قدمه للجمهور لمدى تجاوز نصف القرن. وهي تجربة فنية راسخة حثت المواطنين – وما تزال – على دفع التطلعات نحو الحرية والديمقراطية بينما نجد السيرة الذاتية لمفضل لم تزفه لهذا المنصب إن لم يكن قد ساهم بدرجات عليا في التنكيل بالشرفاء من المواطنين، وإسكات أصواتهم الداعية لدولة المواطنة الحرة بمزيد من الضرب، والاغتصاب حتى. وتاريخ الحركة الإسلامية الذي ينتمي لها مفضل في هذا الخصوص حاضر، ولعله هو أحد صناع ملاحقة المواطنين تجسساً، وتحسساً لحيواتهم الخاصة. ولذلك يضحك العميقون حين يرون هذا التودد الذي رسمته الصورة الدعائية لمفضل وهو يزاور هؤلاء المبدعين الذين نحرت أجهزة أمن ما بعد الاستقلال أحلامهم، فكيف بالله يمكن تبرير قوة نظر عين عركي نحو عين المفضل التي شاهدت لا بد دماءً تسيل في معتقلات موقف شندي، ويطالب تحت إشرافه من هم أدنى منه رتبةً بضخ المزيد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع