
شهد السودان منذ اندلاع حربه بين الجيش وقوات “الدعم السريع” في منتصف أبريل 2023، أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً، إذ لم يتبق للمواطن ثمن يدفعه في ما ألمَّ بحياته وصحته وشتات الأسر الناجم عن النزوح، فقد بلغ عدد النازحين داخلياً 12 مليون شخص، واللاجئين في دول الجوار أكثر من 4 ملايين شخص، في وقت تتوالى التحذيرات من تحول البلاد إلى ساحة إبادة مفتوحة بلا محاسبة في ظل الفظائع التي ترصدها الأقمار الاصطناعية من حين لآخر.
هذا الوضع المتأزم نتيجة لتطاول أمد الحرب تسبب في مأساة بشرية تفوق الوصف بالنظر إلى الخسائر البشرية الفادحة (مقتل نحو 150 ألف شخص)، وحالات نزوح جماعي واسعة النطاق، مما ترك قطاعات عريضة من الشعب السوداني تواجه خطر الجوع الحاد.
الأرقام الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة كشفت عن حجم المأساة التي أفرزها الصراع الدامي والمجازر والفظائع في السودان التي ارتكبت في حق المدنيين وخصوصاً بواسطة “الدعم السريع”، فإلى أي مدى ينظر المراقبون لهذا الواقع المؤلم وأثره في حياة المواطنين بخاصة الموجودون في مناطق الصراع؟
سلسلة أزمات
المتطوع في العمل الإنساني أحمد عبدالرحمن، يقول “على رغم أن الحرب في بلادنا شارفت على دخول عامها الثالث، فإنها لا تزال ترمي بظلالها السلبية على المواطنين بإفراز سلسلة أزمات إنسانية متلاحقة تعد الأسوأ في تاريخ السودان الحديث، بينما شكلت عبئاً ثقيلاً على كاهل المواطن الذي دفع فاتورة باهظة من حياته وصحته وضياع مستقبل أبنائه، علاوة على المعضلة المتفاقمة في الغذاء واستخدامه أداة في الصراع بعرقلة وصول المساعدات الإنسانية المقدمة بواسطة المنظمات الدولية للمناطق المتضررة، إلى جانب عدم تسليم الإغاثة التي لم تصادف النزاهة في توزيعها على مستحقيها، مما أدى إلى إعلان المجاعة في 17 منطقة وانحدارها إلى مستويات حادة من الجوع”.
وأضاف عبدالرحمن أن “ما فاقم أزمة الغذاء النهب الممنهج لقوافل الإغاثة وسرقة المخازن الغذائية التابعة للأمم المتحدة، فضلاً عن سرقة المحاصيل الزراعية للمواطنين وتدمير مشاريعهم الزراعية، وما زاد من وتيرة الجوع الغلاء الفاحش في السلع الاستهلاكية الأساسية”.
وتابع “تطاول أمد الصراع واتساع رقعته أديا إلى تصاعد موجات النزوح داخلياً وخارجياً فراراً من القتل خارج نطاق القانون من تصفيات وإعدامات ميدانية وغيرها، وتسبب في أزمة مياه خانقة بسبب الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي نتيجة استهداف محطات الكهرباء بواسطة مسيرات “الدعم السريع”، بخاصة في العاصمة الخرطوم التي لجأ سكانها لشرب مياه النيل مباشرة والآبار المهجورة مما أدى إلى انتشار الأوبئة، في ظل انهيار المنظومة الصحية بخروج 80 في المئة من المستشفيات والمراكز الصحية من الخدمة ومحدودية فرص عودتها، مع شح الأدوية المنقذة للحياة التي فاقمت معاناة المرضى وخصوصاً أصحاب الأمراض المزمنة”، وزاد “2025 كان عام الأوبئة والأمراض، إذ تفشى وباء الكوليرا في 152 محلية بولايات السودان المختلفة مسجلاً أكثر من 123 ألف إصابة، ونحو 3500 وفاة، فضلاً عن وباء حمى الضنك الذي انتشر في معظم الولايات خصوصاً في الخرطوم مع تسجيل وفيات”.
ومضى المتطوع في العمل الإنساني قائلاً “الكارثة الحقيقية كانت في مجال التعليم الذي يتعلق بمستقبل البلاد وتهديد جيل بأكمله، إذ وصل عدد الطلاب الذين أصبحوا خارج أسوار الدراسة أكثر من 17 مليون طفل، فضلاً عن تدمير البنى التحتية التي انهارت تماماً، والمتمثلة في مرافق الدولة من وزارات ومصانع ومحولات الكهرباء الرئيسة، مما أدى إلى شلل اقتصادي شبه تام”.

جراح غائرة
من جانبه قال الناشط في مجال العمل الإنساني بإقليم دارفور أحمد شوقار إن “الأرقام خلال أشهر الحرب وصولاً إلى خواتيم عام 2025، عكست مأساة إنسانية، حقيقة شديدة التعقيد، بسبب اتساع رقعة الصراع التي شملت أكثر من 70 في المئة من مساحة البلاد”.
وتابع شوقار “معاناة المدنيين في إقليم دارفور لا يمكن وصفها من شدة المأساة، بخاصة سكان الفاشر الذين عانوا حصاراً خانقاً دام 18 شهراً، فضلاً عن إعلان المجاعة في معسكر (زمزم)، واللجوء إلى سد الجوع بأعلاف الحيوانات وجلود الأبقار وصفق الأشجار، في ظل الهجمات المتواصلة عليه من قصف مدفعي وجوي بالمسيرات مما أسفر عن مقتل المئات، إضافة إلى الاعتقالات الواسعة التي طاولت الأطباء والمعلمين والمتطوعين والتجار وغيرهم من شرائح المجتمع”.
وأضاف “استهداف المدنيين من قبل عناصر “الدعم السريع” كان أيضاً على طرق الهرب أثناء بحثهم عن ملاذات آمنة، حيث تم إعدام الرجال رمياً بالرصاص وتعليق النساء على الأشجار وشنقهن، فضلاً عن الابتزاز مقابل دفع الأموال، لا سيما أن طريق الفرار الوحيد لبلدات طويلة وطرة وقرني وأم مراحيك التي تستقبل النازحين تتمركز فيه قوات (الدعم السريع)”.
ونوه الناشط في العمل الإنساني بأن “جراح أهل دارفور لا تزال غائرة، وتنفتح في إقليم كردفان بولاياته الثلاث، إذ يخشى أن يطاولها المصير نفسه، بخاصة بعد أحداث بارا وكادقلي والدلنج”.
خطر داهم
المتخصصة الاجتماعية أحلام سيد أحمد، أوضحت أن “عام 2025 مضى من دون إحلال للسلام في السودان، ونسفت كل المبادرات التي قادتها دول تصدت لإنهاء الأزمة ووقف الحرب، مما أدى إلى هدم النسيج الاجتماعي وتمزيق أوصال الأسر بسبب النزوح وتعرض النساء والفتيات لخطر داهم تمثل في الانتهاكات والاغتصاب الجماعي والاستعباد الجنسي والاسترقاق والعبودية والخطف”، واستطردت “من خلال عملي، كانت هناك جهات رسمية وثقت حالات اغتصاب مروعة استهدفت النساء والفتيات أثناء فرارهن من جحيم القتال في دارفور وكردفان ومواجهتهن النزوح القسري، إذ شكلت النساء نحو 50 في المئة من النازحين، علاوة على أخطار مضاعفة في مراكز الإيواء المكتظة، وافتقارهن إلى الخصوصية والحماية”، وأشارت إلى أن “الناجيات من النساء والفتيات عانين صدمات نفسية واجتماعية بعد حملهن وإجهاضهن القانوني، وتفاقمت تلك الصدمات لحد انتحار فتيات صغيرات في السن في ظل غياب الدعم النفسي”.
وأردفت المتخصصة الاجتماعية، قائلة “عدم توفر الرعاية الصحية للنساء جعلهن عرضة لأخطار بالغة، بخاصة الحوامل، مع تسجيل حالات وفيات
وسط الأمهات، علاوة على معاناة النساء بفقد المعيل مما عرضهن للاستغلال الاقتصادي والأمني”.




