تقارير

السودان في مطلع 2026: حرب المسيّرات واتساع الجبهة الكردفانية بين التصعيد العسكري والانهيار الإنساني

تقرير - رشا رمزي

مع بداية عام 2026، تدخل الحرب في السودان طوراً أكثر تعقيداً وخطورة، ليس فقط من حيث اتساع رقعة المواجهات، بل أيضاً على مستوى الأدوات المستخدمة وطبيعة الأهداف المستهدفة. فقد شهدت الأيام الخمسة الأولى من العام تنفيذ ما لا يقل عن ثماني غارات بطائرات مسيّرة، توزعت جغرافياً من الولاية الشمالية مروراً بكردفان وصولاً إلى دارفور، في مؤشر واضح على انتقال الصراع من نمط الاشتباكات البرية المحدودة إلى حرب متعددة الجبهات تعتمد بشكل متزايد على الضربات الجوية الدقيقة، أو شبه الدقيقة، وما تحمله من كلفة إنسانية باهظة.

هذا التصعيد لا يمكن فصله عن التحول العميق في طبيعة الحرب منذ اندلاعها في أبريل 2023. ففي مراحلها الأولى، اقتصر استخدام الطائرات المسيّرة على مهام الاستطلاع وجمع المعلومات، قبل أن تتحول تدريجياً إلى أداة هجومية مركزية تستهدف مواقع عسكرية وبنى تحتية حيوية في آن واحد. هكذا باتت قيادة الفرقة 19 مشاة، وقاعدة مروي الجوية، وسد مروي، ومحطة كهرباء الأبيض، ومطار كنانة، ضمن بنك الأهداف، إلى جانب مناطق مدنية مثل مستشفى الزرق وسوق غرير وأحياء سكنية في الأبيض، فضلاً عن مناطق واسعة في دارفور وجنوب كردفان.

وبينما يعكس هذا التحول سباقاً محموماً على امتلاك التفوق الجوي، فإنه يكشف في الوقت نفسه عن ارتفاع غير مسبوق في كلفة الحرب على المدنيين. فوفق معطيات ميدانية، أسفرت الغارات الأخيرة عن مقتل أكثر من 150 مدنياً وإصابة العشرات، مع تسجيل وقائع دامية في مستشفى الزرق وسوق غرير ومنطقة الفردوس، حيث سقط أكثر من مئة قتيل، بينهم نساء وأطفال. ويكتسب استهداف مستشفى الزرق دلالة خاصة، باعتباره المرفق الطبي الوحيد الذي يخدم آلاف السكان، ما يعني أن تدميره لا يقتصر أثره على لحظة القصف، بل يمتد ليشمل حرمان منطقة كاملة من الحد الأدنى من الرعاية الصحية.

في المقابل، يؤكد الجيش السوداني أنه تصدى لهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع استراتيجية في الولاية الشمالية دون تسجيل خسائر بشرية أو مادية، نافياً وقوع ضحايا مدنيين في بعض الهجمات، مثل تلك التي طالت قاعدة كنانة ومحطة كهرباء الأبيض. غير أن شركة كهرباء السودان أعلنت توقف الإمداد الكهربائي بالكامل بعد حريق كبير في محطة الأبيض، بينما أفاد شهود بمقتل ما لا يقل عن عشرة مدنيين في غارة استهدفت حياً سكنياً داخل المدينة، ما يعكس فجوة واضحة بين الروايات العسكرية والوقائع الميدانية.

وعلى المستوى السياسي، تواكب التصعيد العسكري موجة من الاتهامات المتبادلة. فقد أدان مجلس وزراء حكومة “تأسيس” الغارات التي نفذها الجيش في دارفور، واعتبرها سياسة ممنهجة تستهدف المدنيين، في حين وصف اللواء معتصم عبد القادر الضربات بأنها “إنجاز استخباراتي” استهدف عائلة دقلو في منطقة الزرق. ورغم غياب بيانات رسمية من الجيش حول بعض الهجمات المنسوبة إلى قوات الدعم السريع، يؤكد قادته أن استخدام المسيّرات يأتي ضمن تمهيد عسكري يركز على تدمير خطوط الإمداد ومخازن الوقود والذخيرة، مع نفي وجود أدلة على استهداف المدنيين بشكل متعمد.

قوات الجيش السوداني

هذا الجدل يتقاطع مع قراءة أوسع لطبيعة الحرب، حيث يرى قادة عسكريون أن الصراع دخل مرحلة تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، بما يضعه في إطار حروب القرن الحادي والعشرين. ووفق هذه الرؤية، استفادت قوات الدعم السريع في مراحل سابقة من دعم خارجي مكّنها من استخدام طائرات مسيّرة بعيدة المدى، قبل أن يطوّر الجيش قدراته الجوية ويحقق تفوقاً نسبياً في بعض محاور كردفان ودارفور. غير أن هذا “التطور التقني” لا ينعكس استقراراً ميدانياً، بل يزيد من تعقيد المشهد ويضاعف المخاطر على السكان.

وتتجلى خطورة هذا التحول بوضوح في إقليم كردفان، الذي أصبح إحدى أكثر ساحات الصراع سخونة في البلاد. فقد دفعت قوات الدعم السريع بتعزيزات كبيرة إلى ولايات شمال وجنوب وغرب كردفان، مع إعادة تثبيت وجودها في محاور استراتيجية مثل الدبيبات، وتحريك آليات قتالية من النهود باتجاه الخوي. ولا يمكن فهم أهمية الدبيبات بمعزل عن موقعها الجغرافي، إذ تشكل حلقة وصل بين جنوب كردفان وعدد من الولايات، وتمر عبرها طرق برية وخط السكة الحديد، إلى جانب كونها مركزاً للنشاط الحيواني وسوقاً رئيسياً لتجارة الإبل.

في موازاة ذلك، ظهر نائب قائد قوات الدعم السريع عبد الرحيم دقلو في تسجيلات مصورة يحث قواته على مواصلة القتال، متعهداً بتوفير المعدات اللازمة، ومؤكداً أن المكاسب الأخيرة جاءت نتيجة تدريبات جديدة. وترافقت هذه الرسائل التعبوية مع انتشار واسع لقوات الدعم السريع في مناطق متعددة من الإقليم، وسط ترجيحات بتوسع العمليات باتجاه مناطق يسيطر عليها الجيش.

غير أن الجيش السوداني، مدعوماً بقوات متحالفة، حقق بدوره تقدماً في محاور قتالية عدة، أبرزها محور الأبيض – الجنوب، ومحور أبو جبيهة – الغرب، في محاولة لفك الحصار عن كادوقلي والدلنج. وبين التقدم والتراجع، تبادل الطرفان السيطرة على بلدات مثل الرياش وكازقيل والحمادي وهبيلا، فيما لا تزال قوات الدعم السريع، بمشاركة الحركة الشعبية لتحرير السودان، تفرض حصاراً خانقاً على كادوقلي والدلنج، مع مساعٍ للسيطرة على مواقع عسكرية رئيسية داخلهما.

وفي شمال كردفان، يزداد المشهد تعقيداً مع تطويق مدينة الأبيض من ثلاث جهات، وسيطرة قوات الدعم السريع على مدن وبلدات محيطة بها، ما يجعل خطوط الإمداد البرية محدودة وهشة. ويواكب ذلك قصف مدفعي وجوي بطائرات مسيّرة يستهدف مواقع داخل كادوقلي والدلنج، وسط تقارير عن نزوح أكثر من 800 ألف شخص خلال فترة الحصار، نصفهم تقريباً اتجهوا إلى مناطق تسيطر عليها الحركة الشعبية.

قوات الدعم السريع

هذا التصعيد الميداني المتسارع يضع الوضع الإنساني على حافة الانهيار الكامل. فقد أعربت الأمم المتحدة عن قلق بالغ إزاء الغارات التي استهدفت مناطق مدنية في شمال دارفور وكردفان، محذرة من تفاقم نقص الغذاء والأدوية والخدمات الأساسية. وأكدت تقارير أممية سقوط ضحايا في الزرق وغرير وكلبس، ونزوح مئات الأسر، في وقت تتزايد فيه صعوبة وصول المساعدات.

وفي محاولة لاحتواء جزء من الكارثة، أعلنت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن وصول شحنات إغاثية إلى تشاد تمهيداً لنقلها إلى دارفور، بهدف دعم نحو 20 ألف أسرة من الأكثر تضرراً. غير أن حجم الاحتياجات على الأرض يفوق بكثير ما تصل إليه هذه المساعدات، خاصة مع استمرار العمليات العسكرية واتساع رقعة النزوح.

وفي مؤشر آخر على تعمق الانقسام، شرعت الإدارة المدنية التابعة لقوات الدعم السريع في شرق دارفور في خطوات أولية لتأسيس نظام مصرفي خاص بها عبر إنشاء بنك يحمل اسم “المستقبل”، في محاولة لمعالجة أزمة السيولة وغياب الخدمات المصرفية. هذه الخطوة، رغم طابعها الخدمي الظاهر، تعكس اتجاهاً مقلقاً نحو ترسيخ وقائع إدارية واقتصادية موازية، بما يعمق الانقسام الجغرافي والمؤسسي في البلاد.

في المحصلة، يبدو السودان مع مطلع 2026 أقرب إلى حرب استنزاف طويلة، تتداخل فيها المسيّرات مع المدفعية، والجبهات العسكرية مع الأزمات الإنسانية، والتصعيد الميداني مع محاولات فرض أمر واقع سياسي وإداري. وبينما تتسع رقعة القتال وتتطور أدواته، يظل المدنيون الحلقة الأضعف في معادلة حرب تتغير أشكالها، لكنها لا تخفف وطأتها على من يعيشون تحت سمائها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى