
يعيش سكان مدينة الخرطوم بحري، إحدى مدن العاصمة السودانية، شللاً كاملاً على رغم مرور قرابة عام على تحريرها من قبضة قوات “الدعم السريع”، بسبب النقص الحاد في الغذاء، والانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي والمياه، إلى جانب انعدام خدمات الصحة والتعليم ووسائل النقل، علاوة على انهيار الجسور التي تربطها بمدينتي الخرطوم وأم درمان، مما أدى إلى اتساع نطاق العزلة نتيجة تجاهل الدولة عمليات الصيانة والإعمار مقارنة بمناطق أخرى في العاصمة عقب تحريرها في مارس عام 2024، مما أسهم في تفاقم الأزمة الإنسانية وتقويض الحد الأدنى من مقومات الحياة.
وعد “مرصد بحري لحقوق الإنسان” مقاطع الفيديو المتداولة في مواقع التواصل الاجتماعي التي تظهر عودة الحياة إلى طبيعتها في هذه المدينة، بأنها مضللة لا تعكس الواقع الحقيقي القاسي الذي يعانيه المواطنون الذين باتوا في عزلة شبه كاملة عن بقية مدن العاصمة، مما أدى إلى شلل واسع في الحركة الاقتصادية والخدمية. وقال المرصد إن “بحري تمر بمرحلة تعد الأسوأ منذ اندلاع القتال بين الجيش والدعم السريع في 15 أبريل عام 2023 مع انهيار الخدمات الأساسية وتراجع النشاط الاقتصادي إلى مستويات غير مسبوقة”.
وأشار إلى أن انقطاع الطرق الرئيسة جعل الدخول إلى المدينة أو مغادرتها مهمة صعبة ومحفوفة بالأخطار، مما دفع المواطنين إلى استخدام طرق بديلة طويلة المسارات وباهظة الكلفة حين الذهاب إلى مدينة أم درمان لتلبية حاجاتهم الأساسية.

وأوضح المرصد أن النشاط التجاري الذي كانت تعج به بحري انخفض إلى أقل من 10 في المئة عن مستواه خلال فترة ما قبل الحرب بسبب توقف حركة البضائع وإغلاق الأسواق وتعطل سلاسل الإمداد، وأدى غياب وسائل النقل إلى زيادة الأعباء على الأسر التي تعيش أصلاً تحت ضغط اقتصادي شديد.
ولفت المرصد إلى أن ما يجري في مدينة بحري يعكس صورة أوسع للأزمة الإنسانية، إذ تتقاطع آثار الحرب مع انهيار البنية التحتية وتراجع الخدمات وتزايد العزلة بين مدن العاصمة الثلاث، مما جعل بحري محاصرة تواجه تحديات تهدد قدرتها على الصمود في ظل تصاعد العمليات العسكرية، وتوجيه الإنفاق على المجهود الحربي.
غياب الرقابة
في السياق، قال جاهد خليفة أحد سكان مدينة بحري إن “الأوضاع داخل الأحياء السكنية في مدينة بحري قاسية لأبعد حد، وتفتقر إلى سبل الحياة الكريمة، إذ نعيش على هامش الحياة بعدما أصبحنا في عزلة شبه كاملة، وعدم القدرة على توفير متطلبات الحياة اليومية، خصوصاً الغذاء بسبب عدم ممارسة الأعمال بصورة مستقرة، فضلاً عن المعاناة من ارتفاع الأسعار باستمرار، إضافة إلى توقف النشاط التجاري حتى الآن بالمدينة، وانعدام الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه”.
وأضاف خليفة “يضطر سكان بحري لقطع مسافات طويلة للوصول إلى أسواق أم درمان لقضاء حاجاتهم الأساسية، مما جعل كلفة الرحلة باهظة جداً في ظل هذه الظروف القاسية، إذ أصبحت عبئاً يفوق قدرات غالبية الأسر، وأن هناك معضلة معقدة تواجه هؤلاء السكان تتمثل في عدم توفر وسائل النقل المتوسطة التي تعد شرياناً حيوياً لذوي الدخل المحدود، إضافة إلى غياب الرقابة الحكومية للحد من مطامع الذين يستغلون الأزمات”.
وأشار إلى أن “مدينة بحري حالياً تعيش حالاً من التلاشي لمعالمها بسبب تجاهل الدولة عمليات الصيانة والإصلاح، بخاصة في ما يتعلق بالجسور التي تربطها بمدينتي الخرطوم وأم درمان، مما جعل السكان محاصرين في نطاق ضيق لا تتوفر فيه مقومات الحياة، فضلاً عن معاناتهم الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي والمياه، واللجوء إلى شراء المولدات وألواح الطاقة الشمسية التي لا يستطيع معظم السكان توفيرها”.




