أحبذ دائماً أن نتعامل مع الأوجاع كما هي، لا أُفضل المسكنات؛ لأن أكثر ما يطرد الأحزان هو أن تواجهها… نعودُ للخروجِ، وإنْ تمَّ بفعلِ فاعلٍ ، على الهلال أن يكون فريقاً ليس قادراً، على مواجهة المنافسين فحسب ، بل يجب أن يكون قادراً أيضاً على التغلب على الفساد الذي أصبح القاسم المشترك الأكبر ، أو السبب الرئيس في هزائمه.
الحزن شعور (سلبي)، بيدك أن تحول هذا الشعور إلى شعور (إيجابي)، إذا زادك الحزن صلابة ومنحك قدرة أكبر على الإنتاج والصمود.
الفلاسفة جعلوا من الحزن محطة لهم من أجل التزود منها، الحزن جعلهم أكثر عمقاً؛ لذلك نحن دائماً نعتقد أن الشخص الحزين شخص عبقري وإنسان خطير.
التفكير والتدبر أمر يحدث في طقوس حزينة.
نحن لا نتجمل، لا ندعو إلى الحزن، ولكن ندعو للتغلب عليه، والتكيف معه؛ هكذا كانت وجعتنا، هذا هو واقعنا، أو هكذا هو مصيرنا، علينا أن نبحث عن الدواء الذي يتناسب مع هذا الداء.
علينا أن نثبت أن الهزيمة لن تكسرنا ولن تجعلنا ننفض من حول الهلال.
الفشل هو أكبر دافع للنجاح، الذين نجحوا نجحوا لأنهم جربوا مرارة الفشل.
في قصص الحب الخالدة يزيد العاشق تعلقاً بمحبوبته كلما وجد معاناة في الوصول إليها، وفي الحياة عامة أنت ترتبط أكثر بالمحبوبة التي قد ترفضك، والبطولة الأفريقية كلما تمنعت عنا سوف تزيد رغبتنا في تحقيق اللقب.
نحن لأجل ذلك لا نحتاج إلى إمكانيات إضافية؛ لأننا أصبحنا قريبين من اللقب، وصرنا نمتلك المقومات التي تجعل الهلال بطلاً، نحن نحتاج إلى إرادة أقوى، نحتاج للمزيد من العزيمة والإصرار.
نحتاج إلى تخطيط أدق وترتيب أكثر نظاماً.
العتبة الأولى في العلاج من أي أزمة أو مرض أو مشكلة هو أن تواجه تلك الأزمة.
مشاكلنا سوف نواجهها، أياً كانت قوتها، ومهما كان عنفوان تيارها.
سوف نواجه أزماتنا حتى وإن كانت كلفة ذلك مؤلمة.
النقطة الفارقة عندي في الحياة أن تتعامل بشيء من الرضا مع كل الصعاب التي تواجهكم… مع كل أقدارك عليك أن تكون في حالة من الرضا.
السعداء ليسوا هم الذين توفر لهم كل شيء، ولا هم من يعيش حياة رغدة… السعداء هم من كان يشعر بالرضا في واقعه… التصالح مع واقعنا يمنحنا السلام النفسي، والسلام النفسي هو جواز المرور للسعادة.
يمكن أن تملك أي شيء وتكون غير سعيد إذا كنت تفتقد لنعمة الرضا، ويمكن أن تفقد كل شيء وتكون سعيداً إذا كنت راضياً بواقعك.
أستغرب من الذين يثبتون على أنفسهم على مواقع التواصل الاجتماعي حالة حزن أو حيرة، هذه أمور يجب عدم إشهارها أو عدم تثبيتها؛ لأن الحالة نحن من يصنعها.
علينا أن نعترف بالقصور وأن نقر أن هنالك خللاً، وطالما حدثت خسارة فذلك يعني أن هنالك قصوراً ما.. علينا أن نكون أكثر شراسة في مجابهة هذا الفساد الذي أضحى يقضي على الأخضر واليابس من عشب الهلال.
لن نكذب على أنفسنا، ولن نبحث عن شماعات خارجية، ولكن مع ذلك لن نثبت على أنفسنا تلك الحالة.. ولن نسكت على. ما يتعرض له الهلال.
نحن أقوياء جداً… لأننا تعرضنا لمثل هذه الصدمات، ومازلنا نقاتل.
المشكلة فينا، هذه أول مراحل العلاج والعودة بصورة أقوى.
من السهل أن نحمل في مثل هذه الظروف اللاعبين أو الجهاز الفني أو الإدارة المسؤولية ونعفي أنفسنا كإعلام وجمهور، نحن شركاء في الإخفاق، نحن جزء من الهزيمة، على الأقل إن لم نكن أحد أسباب الوقوع فيها، علينا أن نكون أحد أسباب الخروج منها؛ لأن أحد أهم واجباتنا أن ندعم الفريق في مثل هذه الظروف، الفريق يحتاج للإعلام الواعي والجمهور الداعم عند الهزيمة وليس عند النصر.
وأياً كانت أسباب الهزيمة فإن وقوعها يعني أن هنالك خللاً وقصوراً في جهة ما؛ لذلك علينا أن نرتب صفوفنا من جديد وأن نراجع سلبياتنا من أول.
لا يعقل أن تكون إحباطات الذي يخرج من ربع النهائي أكبر وأعظم من إحباطات الذي يخرج من مرحلة التمهيدي الأول، هذا أول شيء يجب أن نصححه، نحن بذلك كأننا نجازي الفاشل ونكافئ من يخرج في الأمتار الأولى من السباق على حساب من يخرج في الأمتار الأخيرة.
نعم (لولا المشقة ساد الناس كلهم .. الجود يفقر والاقدام قتال) ، لكن علينا أن نرتب للقتال بصورة أفضل.
لا يمكن أن نكرم من يأتي في المؤخرة ونسخر ممن يأتي في المقدمة.
الذي يوجد ضمن أفضل ثمانية أندية في أفريقيا وصلت لربع النهائي في البطولة الأفريقية الكبرى لا يستوي مع الأندية التي تخرج من التمهيدي الأول وهو يلعب ضمن 64 نادياً.
مع كل ذلك لا أرفض الوجع على خروج الهلال ولا أنكر الحزن؛ لأن غضبنا من ذلك الخروج أمر إيجابي وطبيعي في ظل التطلعات والطموحات التي كنا نحملها.
في 1987م خرجنا بسبب التحكيم لكن وضعنا ذلك السبب مبرراً للخروج من بعدُ في كل منافسة.
الحكم المغربي محمد لارش ظل شبحه يطاردنا حتى في الدورات المدرسية والدورات الرمضانية.
في عام 1987 كنا نملك فريقاً مرعباً.. خسرنا النهائي بفعل فاعل، لماذا لم نرتب أوراقنا وقتها ونعيد الكرة من جديد؟
كان يمكن أن نفوز في عام 1988، أو في عام 1989، أو 1990، ذلك الجيل كان قادراً على تحقيق اللقب، لقد أُحبطنا ومنحنا التجربة للمريخ في عام 1989 ليفوز بكأس مانديلا.
نعم عدنا في عام 1992 ووصلنا مرة أخرى للنهائي، لكن يبقى السؤال: لماذا لم نصل للنهائي منذ ذلك الوقت؟
الوصول للنهائي بصورة متكررة يعني حتمية الفوز باللقب.
يعني على الأقل عدم الاستسلام.
مع كل تلك التجارب، الهلال لم يحقق اللقب؛ لأننا عندما نخرج في الأمتار النهائية نصاب بالإحباط ونشعر بشيء من (القرف).
السيناريوهات التي يخرج بها الهلال، تبقى دائماً غريبة ومؤلمة، دائماً تترك في النفوس جروحاً غائرة.
في 1987 خسرنا بسبب (لارش)، هذا الأمر ترك في أنفسنا شعوراً بأن الفوز بالبطولات الأفريقية لا يتم إلا عن طريق الحكام.
أُحبطنا ورضينا بالخروج من البطولات الأفريقية عن الفوز بالطريقة التي يفوزون بها.
في 1992 في آخر عشر دقائق خسر الهلال من الوداد، وكان للحكم دور، ليس فقط في المغرب بل كان تدخل الحكم واضحاً حتى في أم درمان عندما حرم الهلال من نصر مستحق.
الهزيمة من مازيمبي بخماسية في أم درمان حدثت في ظروف غريبة، ما زالت مجهولة، رغم أن الفريق الذي خسر بخماسية في ملعبه كان جديراً بتحقيق اللقب، يثبت ذلك الفوز على مازيمبي في ملعبه بهدفين دون رد يوم 4 أكتوبر 2009م، رغم أن ملعب مازيمبي كان وقتها عصياً على كل الأندية فقد كسر الهلال سجل 43 مباراة لمازيمبي دون خسارة في لوممباشي.
الجيل الذي خسر من مازيمبي بخماسية كان بعد ذلك قادر على الفوز باللقب ، لأنه كان جيلاً عظيماً.
في 18 مارس 2023م عاد فريق الأهلي المصري من المقابر بعد أن أعاده للمنافسة إهدار الهلال لضربة جزاء أمام صن داونز في الدقيقة 91 كانت كفيلة بتأهل الهلال من مرحلة المجموعات قبل الجولة الأخيرة من مباريات مرحلة المجموعات، لكن إهدار تلك الضربة، لم يعد فقط الأهلي المصري بل كان ذلك الإهدار سبباً في أن يفوز الأهلي من بعد ذلك باللقب وفي أن يفوز بالسوبر ويلعب بطولة كأس العالم للقارات.
إهدار ضربة جزاء للهلال أهدى للأهلي المصري ثلاث بطولات قارية.
هنالك أمور تحدث غير مفهومة أو سيناريوهات غريبة تحدث تجعل الشعور بالهزيمة مراً.
كل تلك الهزائم أفرزت كميات لا حصر لها من الإحباط، العودة بعد ذلك إن لم تكن قوياً وراسخاً في الأرض وثابتاً سوف تكون مستحيلة.
هذه الأمور تؤكد أن الهلال قادر وقوي ولكن شيئاً ما يحدث فيجعلنا نخسر بصورة غريبة.
لن أتحدث عن ظروف الحرب ولن أقول إن الهلال لو كان واجه نهضة بركان في ملعبه في أم درمان لكان حسم أمره من أول ربع ساعة.
الحرب أصبحت جزءاً منا، علينا أن نتعامل مع معطياتها طالما أصبحت أمراً واقعاً.
سوف أقول شيئاً آخر، لم أجد له تفسيراً أو مبرراً، سوى أن الأقدار لم تكتب لنا التأهل.
الأقدار لم ترد لنا اللقب، علينا بالمزيد من الإصلاح والمزيد من المراجعات حتى تبتسم لنا أقدارنا.
في بركان في مباراة الذهاب في الدقيقة 93 ارتكب إيبولا محترف الهلال الممتاز ضربة جزاء لم يكن لها أي داعٍ أو مبرر، ليخرج الهلال من المباراة متعادلاً بعد أن كان متقدماً بهدف.
في كيجالي وحتى الدقيقة 94 كان الهلال هو المتأهل للدور المقبل، لكن مخالفة قرب الصندوق تُلعب ولاعبو الهلال في حالة شرود تام تجعل نهضة بركان يسجل الهدف الأول في المباراة وينتصر في النهاية ويتأهل.
ما هذا الذي يحدث؟
هل الهلال يفتقد للدعم اللوجستي، في الثبات الانفعالي والتركيز؟
أم أن الأمور ليست كذلك؟
كوليبالي يسجل هدفاً جميلاً، يحتفل اللاعبون، لكن فجأة يقرر الحكم العودة لـ (الفار) ليلغي هدف الهلال ويحتسب ضربة جزاء لنهضة بركان.
ما هذه الأقدار السيئة؟
لماذا لم تحدث المخالفة إلا قبل هدف الهلال؟
نهضة بركان لم تسجل من ضربة الجزاء الظالمة ، لكن ضربة جزاء نهضة بركان حرمت الهلال من هدف.
إنها أقدار… بعض الأشياء لا تجد لها تفسيراً.
هي أمور معلقة أو مبهمة هكذا.
تلك العثرات أو الإخفاقات لا تحتملها أقوى الأندية في العالم، هي أشياء لا تفرز غير الإحباط والحزن والرغبة في الابتعاد.
لا تستطيع أن تلوم أي أحد يقرر الابتعاد في ظل هذه المعطيات، مع كل ذلك نقول إن هذه السيناريوهات مؤلمة ومحبطة نعم، لكن العودة بعدها أمر يجعلنا نشعر بالفخر والاعتزاز.
عدم الانكسار هو عندي أعظم من الفوز باللقب، بطولة الهلال الآن أن يعود أقوى، في ذلك عزاء لنا أعظم من “الأميرة السمراء” نفسها.
أن تعود بعد ذلك، هذا شرف لا يضاهى وتلك قوة لا مثيل لها.
لذلك نقول إن هذه السيناريوهات يجب أن تجعلنا أكثر عزيمة وإصراراً، يجب أن تحرض فينا إرادة التحدي.
هذه الأمور يجب أن تجعلنا أكثر قوة، ليس في مجال كرة القدم فقط، بل في كافة مجالات الحياة.
علينا أن نتعلم من تلك الدروس وأن نخلص أكثر ونجتهد أكثر ونعمل أكثر.
التوفيق لا يغيب من فراغ، لا بد من أننا قصرنا في جانب ما.
إذا استسلمنا لتلك الحالة يعني أننا بأيدينا وضعنا الهلال في (خانة اليك)، وأننا نضع الهلال في مكانة حكمنا له فيها بأن لا بطولة.
الانكسار سوف يجعلنا نربي جيلاً كاملاً على قناعات متواضعة وعلى مصائر مظلمة ونهايات غير سعيدة.
الهلال لا يمثل السودان وحده.. عشاق الهلال في موريتانيا ورواندا عندهم حق علينا.
حقهم علينا أن يعود الهلال أقوى.
نحن نحتاج أن نعود.. قبل أن نعود للغير، علينا أن نعود من أجل أنفسنا.
المسألة أصبحت بالنسبة لنا تحدياً، وهذا شيء ينقلها إلى مربع إيجابي.
….
متاريس
لا تهاجم مدرباً، لا تهاجم لاعباً؛ لأن الخلل خلل منظومة أو خلل تركيبة كاملة.
خطأ الفرد يمكن أن يجعلك تقبل هدفاً أو تهدر هدفاً، لكن لا يجعلك تخرج من البطولة.
قبل هدف نهضة بركان كان يفترض من الهلال أن يسجل.
إذا سجل الهلال في بركان في أول ربع ساعة، لماذا لم يسجل طوال تسعين دقيقة في ملعبه؟ مع أن الهلال سجل ونقض هدفه بسبب مخالفة وهمية.
هذه المباراة من المباريات النادرة والقليلة في هذا الموسم التي لم يسجل فيها الهلال ، أو لم يعتمد فيها هدفه.
الأهلي المصري يعيش في عاصفة أخرى.
العواصف ليست حلاً.
وجود “الغربال” مهم في الملعب… في كل المباريات التي خرج فيها الغربال استقبل الهلال هدفاً قاتلاً.
كنت أتمنى مشاركة الطيب عبدالرازق في الجزء الأخير من عمر المباراة لأنه منظومة دفاعية مختلفة.
التركيز يجب أن ينصب حول مباريات الدوري الرواندي.
يجب إخراج لاعبي الهلال من أجواء البطولة الأفريقية.
كل بطولة بطقسها وتفاصيلها الخاصة.
كل صفحات الهلال يجب أن تعود أكثر إشراقاً وأكثر حياة.
عودوا إلى كتاباتكم عن الهلال، أخرجوا جميعاً من هذه الأجواء.
تخلصوا من حالة الإحباط واقتربوا أكثر من الهلال؛ لأن الهلال يحتاج لكم الآن أكثر.
…
ترس أخير: الحمد لله على كل حال.