مقالات

المبادرات الدولية و”تشتيت الكورة”

فيصل محمد صالح

يجب أن تضغط القوى المدنية الساعية لوقف الحرب في اتجاه إيقاف عملية تشتيت الجهود، وتوحيد منبر التفاوض والأجندة المطروحة. وكذلك الانتباه لعملية إغراق منابر التفاوض بالأجسام الهلامية والممثلين الوهميين، لأن ذلك سيؤدي أيضاً إلى فشل جهود التفاوض.

تشهد العاصمة الإثيوبية أديس أبابا خلال الأسبوع المقبل اجتماعات مع عدد من ممثلي الكتل المدنية المختلفة، بدعوة من الاتحاد الإفريقي ومنظمة الإيقاد.

وتليها بأيام اجتماعات في باريس لممثلين من المجتمع المدني، اختارتهم ووجهت الدعوة لهم منظمة “بروميدييشن” الفرنسية المعروفة، والممولة من وزارة الخارجية الفرنسية.

وفي 15 أبريل سيلتقي في العاصمة الألمانية برلين جمع سوداني وإقليمي ودولي كبير، يضم الرباعية الدولية والخماسية، ومسؤولين حكوميين من عدد من الدول ذات الصلة بالملف السوداني، بجانب ممثلين للأحزاب والكتل السياسية والمجموعات المدنية السودانية.

الهدف المعلن لكل هذه اللقاءات والاجتماعات هو بحث سبل وقف الحرب وتحقيق السلام في السودان، وإيصال المساعدات الإنسانية لملايين المتضررين داخل السودان وخارجه.

يبدو الهدف نبيلاً ومبرراً. فلكل من هذه الدول مصالح متضررة من استمرار الحرب، ولهذا لديها مصلحة في إيقافها، وبعضها حريص على تهدئة الأوضاع في السودان خوفاً من تأثيراتها السالبة على المنطقة بأكملها… إلخ. لكن نبل الهدف وحسن الظن والنية غير كافيين لتحقيقه، بل لا بد من استخدام الوسائل المناسبة والقادرة على إحداث التغيير المطلوب.

واحدة من أهم الوسائل والطرق العلمية في فنون التفاوض السياسي وقت الأزمات هي توحيد المنبر التفاوضي، وذلك يساعد في فهم مواقف الأطراف المختلفة بدقة، وتحديد وتحرير نقاط الخلاف للتركيز عليها، وطرح التصورات للحلول انطلاقاً من هذا الفهم، ومن ثم محاصرة الأطراف الرافضة للحل.

مرت عملية التفاوض بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية بهذه المراحل، وكان المنبر المطروح هو منبر منظمة الإيقاد، إلا أن حكومة الإنقاذ حاولت التهرب مما هو مطروح على مائدة التفاوض باقتراح منابر ومقترحات أخرى، إلا أن قائد الحركة الشعبية رفض ذلك وأسماه “التبضُّع بين المبادرات”، وفعلاً فشلت كل المنابر الأخرى، وعادت الحكومة إلى المنبر الأساسي للتفاوض، وتم إنجاز اتفاق السلام الشامل عام 2005.

ما يحدث الآن في المشهد السوداني هو عين التبضُّع بين المبادرات، والجري المتواصل من مائدة إلى أخرى هروباً من الالتزام بأي موقف أساسي، وفي الوقت نفسه الادعاء بأنهم لا يرفضون الحوار والتفاوض، بدليل استجابتهم للدعوات من كل الأطراف وجلوسهم على كل الموائد.

يجب أن تضغط القوى المدنية الساعية لوقف الحرب في اتجاه إيقاف عملية تشتيت الجهود، وتوحيد منبر التفاوض والأجندة المطروحة. وكذلك الانتباه لعملية إغراق منابر التفاوض بالأجسام الهلامية والممثلين الوهميين، لأن ذلك سيؤدي أيضاً إلى فشل جهود التفاوض.

عملية إيقاف الحرب وإيصال المساعدات الإنسانية، كمرحلة أولى، لها مدخل واحد معروف وممثلون معروفون، ويجب التركيز عليها والمضيّ بها إلى الأمام، حتى ينفتح الباب للكتل المدنية لتقوم من جانبها بتقديم تصوراتها للحل الشامل، والانخراط في عملية سياسية بمشاركة أطراف ذات وجود حقيقي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع