تتحرك الدبلوماسية الدولية بخطى حثيثة لنقل الملف السوداني من أروقة مجلس الأمن في نيويورك إلى طاولات النقاش الحاسمة للرباعية والخماسية في سويسرا، وسط حصار سياسي ودبلوماسي متزايد يضيق الخناق على سلطة الأمر الواقع في الخرطوم.
تهدف هذه التحركات المكثفة إلى دمج مساري وقف إطلاق النار والانتقال إلى الحكم المدني الشامل في مسار واحد ينهي النزاع ويصيغ مستقبل البلاد بعيدًا عن هيمنة السلاح.
وتأتي هذه الضغوط المتلاحقة لتضع القائد العام للجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أمام لحظة حقيقة كشفت عن تداعي خطابه التعبوي الموجه للداخل وتناقضه الصارخ مع الرسائل التي يبعث بها تحت الطاولة للدوائر الدولية.
فبالرغم من محاولات التكذيب المتكررة ونفي تلفزيون السودان لنبأ اللقاء المثير للجدل بين البرهان ومبعوث الرئيس ترامب للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس في مدينة العلمين خلال مأدبة غذاء أقامها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وبالرغم من النبرة الحادة والخطاب المتشدد الذي ألقاه البرهان أمام الحشود في مروي متعهدًا بمواصلة القتال ورافضًا أي تفاوض، إلا أن الوقائع السياسية أثبتت مرة أخرى تراجعه الخفي أمام الضغط الخارجي.
فقد عاد البرهان نفسه ليكشف عبر حسابه الرسمي على منصة إكس عن توجيه رسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رحب فيها بالجهود الأمريكية لتحقيق السلام، وأبدى استعدادًا صريحًا ولأول مرة للجلوس مع كل الأطراف، في تحول مفاجئ يعكس حجم التنازلات المتتالية للتملص من العزلة ومحاولة كسب الوقت قبل اجتماع سويسرا المرتقب.
أحدثت هذه الرسالة زلزالًا واسعًا وارتباكًا شديدًا في صفوف القوى والواجهات الداعمة لاستمرار الحرب، حيث سارع داعمو الخيار العسكري إلى التخبط في تفسير الخطوة كلٌّ وفق هواه ورغباته.
فسارع “البلابسة” إلى ممارسة تضليل جديد عبر إلحاق ملاحق وشروط متخيلة بالرسالة، زاعمين أن البرهان رفض مشاركة الدعم السريع واشترط حصريًا الوساطة السعودية، بينما ذهب فريق آخر إلى اعتبار المسألة برمتها مجرد تكتيك سياسي ومناورة ظرفية لكسب الوقت وامتصاص الغضب الدولي، فيما آثر فريق ثالث الاعتزال والمراجعة، حيث أعلنوا تراجعهم واعتذارهم المباشر للشعب السوداني عن خطأ دعم محرقة الحرب التي دمرت البلاد.
في المقابل، لم يقف التيار الإسلامي موقف المتفرج، إذ أدرك قادته خطورة اللحظة ودلالات التراجع في موقف البرهان على وجودهم ومستقبلهم السياسي.
وبدلًا من الصمت، خرجت تحذيرات علنية حادة من قيادات ميدانية وسياسية بارزة، كان أهمها الموقف المعلن للمصباح طلحة الذي حذر من عواقب هذا التحول ومخاطر تقديم تنازلات للخارج على حساب حلفاء الحرب.
يدرك الإسلاميون جيدًا أن أية تسوية سياسية يتم إنتاجها تحت مظلة الضغط الدولي المتصاعد بين نيويورك وسويسرا لن تؤدي إلا إلى حصارهم وإبعادهم التام عن مشهد السلطة، مما يجعلهم الخاسر الأكبر من تحول خطاب البرهان من الحسم إلى التهدئة.
إن التطورات الراهنة تكشف بوضوح أن مناورات التصلب اللفظي لم تعد قادرة على الصمود أمام الحراك الدولي الموحد الذي يربط بين وقف إطلاق النار الفوري وتسهيل المساعدات الإنسانية وبين إنهاء الترتيبات العسكرية لصالح سلطة مدنية كاملة.
ومع تضييق الخناق على طرفي القتال والإسلاميين المحركين لخطاب الحرب، بات المشهد يتجه بخطى ثابتة نحو إنهاء خيار الحسم العسكري، وتعبيد الطريق لعودة القوى المدنية لإدارة الفترة الانتقالية بدعم دولي وإقليمي غير مسبوق يضع حدًّا لمأساة الحرب ويستعيد مسار التحول الديمقراطي في السودان.