للحرب جغرافيا أخرى لا تعرفها خرائط الجبهات، وفي تتبّعها تمضي الكاتبة الصاعدة نور صلاح بمشروعها القصصي (جغرافيا التنكيل). تستند فيه إلى ذاكرة الحرب والفقد والنزوح لتستكشف آثار العنف التي تتجاوز ساحات القتال إلى تفاصيل الحياة اليومية، وما يتصل بها من قهر اجتماعي واقتصادي وجندري.
وقالت صلاح، إن مشروعها الأدبي “يخطو خطوة جديدة مدفوعاً بالذاكرة الحيّة لثلاثة أعوام من الحرب والفقد والنزوح، وعقود من استنزاف إنسان السودان”، حتى صار الوطن، بمعناه الأنطولوجي، “لحظة طارئة تتخلّل أعواماً من التنكيل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والجندري”.
وأوضحت أن العنوان “يعيد رسم خارطة الصراع بعيداً عن الحدود السياسية أو المواقع العسكرية، محوّلاً المكان من حيز للأمان إلى مسرح للتنكيل”. واستعارة الجغرافيا، بحسبها، تعني أن الألم في السودان “لم يعد حدثاً عابراً، بل صار تضاريس ثابتة يسكنها الناس”؛ فالجسد الأنثوي المحاصر بالقيود الاجتماعية جغرافيا محتلة، والذاكرة المنهوبة أرض تعرّضت للتجريف، والمنفى مساحة تعيد تعريف الطبقية والقهر.
ولا تحصر صلاح التنكيل في فعل الحرب الفيزيائي، بل تراه “التنكيل التجريدي” الذي يمارسه المجتمع على استقلال النساء، وتمارسه الأنظمة المحلية والعالمية على كرامة الفرد، ويمارسه الإنكار على الحقيقة. وتسعى المجموعة إلى استكشاف المساحات المنسية التي لا تظهر في خرائط الحروب التقليدية، لكنها “تسكن في أدق تفاصيل الجغرافيا الشخصية واليومية لكل إنسان”. وهي، كما وصفتها، ردّ مباشر على أكبر أزمة إنسانية يشهدها السودان، تتصل بسياق الشتات السوداني الجديد وبضرورة إنتاج خطاب ثقافي يعبّر عنه ويفكّك مسبباته الاجتماعية والطبقية.

وليس هذا المشروع طارئاً على مسيرة كاتبة جمعت مبكراً بين صرامة العلم وعمق الحكاية. فنور صلاح الدين حميدة، المعروفة أدبياً بنور صلاح، طبيبة تخرّجت في كلية الطب والجراحة بجامعة الخرطوم عام 2025 ونالت جائزة أفضل أداء أكاديمي، وتُعدّ من الأصوات الشابة الصاعدة في المشهد الثقافي السوداني. وتتكئ في سردها على الواقعية الحيّة والفانتازيا الوجودية معاً، وتشارك في إقامات أدبية ومنصّات ثقافية دولية وعربية.
وتشهد على هذا الطريق أعمال سابقة، منها قصة (جيل الظلام) عن تحوّلات الجائحة النفسية والاجتماعية، وقد قادتها إلى المركز الأول في جائزة الطيب صالح للقصة القصيرة للشباب عام 2020، وقصة (حياة البرزخ) المنشورة في منصّة قنّاص الثقافية، وهي حكاية فانتازية عن مجنّدة سودانية تتبع الضوء بعد رحلة برزخية بين الموت والبعث. ثم جاءت مجموعتها (العود الأبدي) عن دار روافد عام 2025، تسأل عن الوجود والفقد وأثر الحرب واللجوء في كينونة الإنسان.
وسبق ذلك فوزها بجائزة غادة للشباب عام 2016، وبالمركز الأول في جائزة نيرفانا الأدبية عام 2021.
ويُذكر أن (جغرافيا التنكيل) نالت منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) لعام 2026، دعماً لتطوير المشروع ونشره وإيصاله إلى القارئ العربي في الشتات وخارجه.
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع