مع طول أمد الحرب المندلعة في السودان لأكثر من ثلاثة أعوام ونصف العام، تفاقمت الأوضاع الإنسانية التي يعيشها سكان مناطق النزاع المسلح، والنازحون الفارون من ويلات الصراع، وبات الموت يحاصرهم ويهددهم من جديد، لكن هذه المرة بالجوع وسوء التغذية، إذ تضاعفت معاناة الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل، بسبب النقص الحاد في الغذاء وتوقف المساعدات الإنسانية.
وأدت تداعيات خفض حصص الغذاء المخصصة للمناطق الأكثر تضرراً في السودان، بسبب نقص التمويل، إلى تفاقم الأزمة الإنسانية بصورة كبيرة، وحولتها إلى ما سمي بـ “الطوارئ الثلاثية”، التي تدمج بين مستويات كارثية من النزوح والجوع وانهيار النظام الصحي، وفقاً لتقارير وكالات أممية ومنظمات دولية، خلال الربع الأول من العام الحالي.
أوضاع مأسوية
في السياق، يقول حامد الصادق الذي يقطن مدينة الدلنج في ولاية جنوب كردفان، إن “قرار خفض حصص الغذاء أسهم في تزايد مستويات الجوع في مدن ومناطق الإقليم الذي يشهد أزمات عدة، نتيجة استمرار الحرب والحصار الخانق من قبل قوات “الدعم السريع” وحليفتها “الحركة الشعبية”، إضافة إلى القيود على حركة البضائع والسلع التي تجد صعوبة في الوصول إلى الأسواق”.
وأضاف الصادق أن “المجاعة في ولاية جنوب كردفان تفاقمت وأصبحت واقعاً وستعجل بالقضاء على الآلاف، فإغلاق الطرق البرية وتدهور مستوى الخدمات وانعدام المواد الغذائية، التي إن وجدت فإن أسعارها باهظة، أدى إلى هجرة قسرية للسكان نحو مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان”.
موضحاً أن “مخزونات الأغذية التي يعتمد عليها المتطوعون في توفير وجبات التكايا والمطابخ المجانية استنفدت تماماً، وأسهم توقف مبادرات الغذاء الجماعي في تفاقم المعاناة”.
ضغوط وعجز
من جانبه، أشار عضو غرفة طوارئ كادوقلي إسماعيل الساير إلى أن “هناك نحو 70 في المئة من الأسر تواجه صعوبة في الحصول على الغذاء، و85 في المئة لديها درجات استهلاك غذائي منخفض، فضلاً عن انعدام الرعاية الصحية ونفاد المدخرات المالية لغالبية العائلات التي لم تغادر المدينة، منذ اندلاع الصراع المسلح”.
لافتاً إلى أن “أعداد المحتاجين ارتفعت بعد تزايد النازحين الآتين من مناطق الدبيبات وكرمالي والفرشاية والسنجكاية، مما شكل ضغطاً هائلاً على موارد المطابخ والتكايا الشحيحة، وتسبب في عجزها واستنزاف كل المخزونات”.
وأردف الساير “في معظم أيام الأسبوع يقتصر الأمر على تقديم صنف واحد فقط مع وجبة العدس أو الفول، في وقت يتزايد الإقبال وترتفع نسبة الاعتماد على خدمات التكايا وسط الأسر النازحة”.
جوع ومرض
وفي المنحى ذاته، نوّه المتخصص في الشؤون الإنسانية منتصر عبدالقادر إلى أنه “في ظل شح التمويل من قبل المانحين، وخروج المعونة الأميركية كممول رئيس، بعد قرارات الرئيس دونالد ترمب، وفي حال لم تحصل الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى على تمويل لعملياتها، فإن رقعة المجاعة في السودان مرشحة للزيادة، بخاصة أن هناك أكثر من منطقة وصلت بالفعل إلى درجة المجاعة”، مبيناً أن “الوضع وصل إلى درجة أكل الناس أوراق الأشجار وعلف الحيوانات، مع وقوع عدد من الوفيات بسبب الجوع ونقص الغذاء في ولايات دارفور وكردفان والنيل الأزرق”.
وطالب عبدالقادر الحكومة المركزية بعدم إخفاء الحقائق حول المعاناة المتناهية للسودانيين في كثير من أقاليم البلاد، سواء النازحين منهم والعالقين وسط المعارك في مناطق النزاع النشطة”.
مشدداً على ضرورة التحرك العاجل لإنقاذ ملايين العالقين وسط المعارك في كردفان والنيل الأزرق، الذين يكابد معظمهم جوعاً حقيقياً مع تفشي أمراض سوء التغذية، ولو لا وجود التكايا والمطابخ الخيرية في بعض المناطق لقضت أسر كاملة نتيجة الجوع.

تحذيرات وأخطار
في غضون ذلك، حذرت “المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين” في دارفور من أن تقليص “برنامج الأغذية العالمي” لمساعداته في السودان، نتيجة نقص التمويل، يهدد حياة مئات الآلاف ممن يعتمدون عليه لتأمين غذائهم الأساس، موضحة في بيان لها أن “قرار التقليص جاء بالتزامن مع ضغوط متزايدة على الأمن الغذائي، بفعل الحرب والنزوح وتداعيات الجفاف على الإنتاج الزراعي، وفي وقت يواجه المدنيون، بخاصة النازحين، تدهوراً هائلاً في سبل العيش، وتصاعداً في أخطار الجوع وسوء التغذية، مما يجعل خفض المساعدات تهديداً إنسانياً مباشراً لحياتهم”.
وقال المتحدث باسم المنسقية آدم رجال إن “تقليص الدعم في هذه الظروف لا يقتصر على خفض كميات المساعدات، بل قد يحرم الأسر النازحة من وجبات أساسية ويدفعها إلى اعتماد آليات تكيف قاسية، بإخراج الأطفال من المدارس وخفض الوجبات وكمياتها، أو بيع ما بقي من ممتلكاتها، مما يهدد قدرتهم على الصمود، ويستدعي أيضاً تحركاً دولياً عاجلاً لمنع مزيد من التدهور الإنساني.
ودعا بيان المنسقية الدول المانحة والمؤسسات الدولية إلى سد فجوة التمويل سريعاً، لضمان استمرار المساعدات الغذائية ووصولها إلى المحتاجين، مع توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية وتعزيز برامج التغذية والأمن الغذائي، ومنح الأولوية للمناطق الأكثر تضرراً.
تأثير محدود
وعلى نحو متصل، استبعد مفوض العون الإنساني السابق في ولاية غرب كردفان، صلاح بدوي، أن يكون السودان يعاني مشكلة غذاء بحكم الموارد الطبيعية الهائلة والمتنوعة، ومن ثم فإن خفض حصص الغذاء من المنظمات الدولية لن يؤثر في أوضاع السودانيين إلا في نطاق محدود للغاية، إذ يمكن تعويض تعطل الزراعة داخل مناطق النزاعات في المساحات الأخرى غير المستغلة من المناطق الآمنة، لدعم الأمن الغذائي.
وأوضح بدوي أنه وعلى عكس ما ذكرته التقارير، لا يزال هناك إنتاج وفير من الغذاء في السودان، على رغم استمرار الحرب، لأن إمكانات البلاد الزراعية لا يتوقع معها أن يعلن السودان المجاعة، لأنها غير موجودة أصلاً على أرض الواقع”، مضيفاً “بافتراض أن هناك مشكلة نقص في غذاء السودان، فهي في ارتفاع كُلف الغذاء بسبب التضخم، وتآكل قيمة العملة المحلية التي جعلت عدداً كبيراً من الأسر غير قادرة على الحصول على الغذاء اللازم، لكن الدولة لا تعاني النقص الشامل، وهو توصيف غير محايد أو دقيق”.
دعم أممي
على صعيد متصل، أعلنت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني الاستعداد لتوسيع نطاق المساعدات المنقذة للحياة في المناطق الأكثر تضرراً من دارفور وكردفان خلال الأشهر الستة المقبلة.
وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، إن “الاستجابة تستهدف المناطق التي تواجه حاجات إنسانية متزايدة، جراء استمرار النزاع”، محذراً من أن النقص الحاد في التمويل يحد من قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للحاجات المتفاقمة.
يذكر أن الأمم المتحدة دعت المانحين إلى توفير الموارد اللازمة لدعم العمليات الإغاثية وتوسيع نطاقها، وطالبت طرفي النزاع في السودان بالسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين.
مستويات مقلقة
وبحسب برنامج الغذاء العالمي، فإن تقاطع أزمة التدهور المعيشي مع الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي، ونقص الوقود، وتراجع الإنتاج المحلي، نتيجة شلل القطاع الزراعي، تسببت في رفع أسعار الطعام إلى مستويات قياسية وعمّقت من حدة المجاعة، ووفقاً لتقارير رسمية، فقد وصلت نسبة الفقر في السودان إلى 73 في المئة، مقارنة بـ21 في المئة فقط قبل الحرب، مما يعني أن نحو 24 مليون مواطن يعيشون حالياً تحت خط الفقر، وكذلك أظهرت مسوح الفقر متعدد الأبعاد أن الأزمة توغلت في عمق المدن، لتسجل في الحضر نحو 69.4 في المئة، بينما بلغت ذروتها القاسية في مناطق الريف ومخيمات النزوح لتلامس 99 في المئة.
ويحذر “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” من أن أكثر من 19.5 مليون شخص، يشكلون نحو 40 في المئة من السكان، يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.
ويصنف “مؤشر الجوع العالمي لعام 2026” السودان ضمن البلدان التي تواجه مستويات مقلقة من الجوع، في ظل استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية، مع غياب بيانات كافية تسمح بحساب درجة نهائية للجوع في البلاد، ووفق بيانات المؤشر فقد بلغت نسبة الأطفال دون الخامسة، الذين يعانون التقزم، 35.4 في المئة، ونسبة الأطفال الذين يعانون الهزال نتيجة سوء التغذية الحاد 18.1 في المئة، فيما بلغت نسبة وفيات الأطفال قبل بلوغ الخامسة 6.2 في المئة.
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع