هذا الانحدار الأخلاقي المريع في الخصومة، الذي يدفع البعض إلى تشويه صورة مخالفيهم في الرأي، واختلاق الأكاذيب وفبركة الصور والقصص للنيل من سمعتهم، أو النبش في حياتهم الخاصة والتشهير بأمورهم الشخصية، سلوك قبيح ومشين، لا يمكن تبريره أو التسامح معه.
لكن الحقيقة، وهذا ليس افتئاتاً على أحد ولا مزايدة، أن الكيزان كانوا من أوائل من أرسوا هذا النهج، ومارسوه بشراسة حتى غدا سمة بارزة في معاركهم وخلافاتهم. وأذكر أنني كنت أشعر بالفزع وأنا أقرأ ما تنشره صحفهم حين يحتدم الخلاف بينهم. كان يصعب عليّ أن أستوعب كيف يندفع هؤلاء إلى إشانة سمعة بعضهم البعض والحط من أقدار رموزهم بهذه الجرأة، وكأنما لا حرمة لزمالة، ولا اعتبار لعشرة، ولا حدود ينبغي أن تقف عندها الخصومة.
كانت معارك صحفييهم تتجدد باستمرار، فيتفرغ أحدهم للنيل من زميله حلقات متتابعة، ولا يكتفي بالشتائم والتجريح، بل يمتد به الأمر إلى الإساءة إلى أسرته وقبيلته، والطعن في دينه وأخلاقه. وهكذا يتحول الخلاف من سجال حول الآراء والمواقف إلى تصفية حسابات شخصية، لا يتورع أصحابها عن استخدام أقبح الأساليب وأشدها ابتذالاً.
وإذا كان هذا ما يفعلونه بعضهم ببعض، على الرغم مما يجمعهم من روابط التنظيم والمصالح والولاء، فلك أن تتخيل ما يمكن أن يبلغوه في خصومتهم مع الآخرين، ممن لا تربطهم بهم تلك الروابط. فإذا كانت أواصر الانتماء المشترك لا تكبح جماحهم، ولا تحول دون استباحة كرامة بعضهم البعض، فأي رادع يمكن أن يمنعهم من المضي أبعد في استهداف خصومهم؟ وأي حدود ستبقى للخصومة حين يغيب الوازع الأخلاقي، ويصبح النيل من الآخر غاية تبرر كل وسيلة؟
ولم يسلم من هذا النهج حتى رموزهم أنفسهم؛ فأولئك الذين كانوا يحيطونهم بهالات التبجيل، ويرفعونهم إلى مقامات تكاد تجعلهم فوق النقد، سرعان ما يتحولون، عند أول خلاف، إلى أهداف للسخرية والتجريح. وما كان بالأمس مديحاً وإطراءً يصبح اليوم هجاءً وازدراءً، في انقلاب يكشف أن ذلك الولاء لم يكن دائماً تعبيراً عن قناعة راسخة، بقدر ما كان رهناً بالمصالح والتحالفات؛ فإذا تصدعت هذه، انهارت معها مظاهر التبجيل، وانكشفت حقيقة الخصومة التي لا تقيم وزناً لكرامة أو اعتبار.
إن خطورة هذا النهج لا تكمن في الإساءة إلى الأفراد وحدهم، بل في ترسيخ ثقافة تجعل التشهير والافتراء واغتيال السمعة أسلحة مشروعة في الصراع السياسي. وما نشهده اليوم من حملات لتشويه المخالفين، واختلاق الروايات الكاذبة عنهم، والزج بحياتهم الخاصة في معارك لا علاقة لها بجوهر الخلاف، يعيد إلى الأذهان ذلك السجل المظلم من الخصومات التي لم تكن تعرف للكرامة حرمة ولا للأخلاق حدوداً.
وليس في ذلك ما يبرر انحدار الآخرين إلى المستوى ذاته، أو يعفي أحداً من مسؤولية ما يرتكبه، وإنما هو تذكير بأن من جعل الإساءة منهجاً في خصومته، واعتاد استباحة كرامة الآخرين، لا ينبغي أن يستغرب حين يجد هذا النهج حاضراً في معارك اليوم. فالمواقف تتغير، والخصوم يتبدلون، لكن المعيار الأخلاقي يظل واحداً: أن الاختلاف لا يبيح الكذب، والخصومة لا تبرر التشهير، ولا يمكن لمن ينتهك كرامة الآخرين أن يجعل من الأخلاق راية يرفعها حين تخدمه، وينكسها حين تعارض مصالحه.