نداء الديمقراطية بين الماضي والحاضر: قراءة نقدية في فكر جون قرنق وواقع جنوب السودان
مشاوير - د. فولينو جوض

مقدمة
في عام 1992 صدر كتاب The Call for Democracy in Sudan (نداء الديمقراطية في السودان) عن دار Kegan Paul International في لندن ونيويورك. هذا الكتاب، الذي ألّفه الدكتور جون قرنق دي مبيور وحرّره المفكر والسياسي منصور خالد، لم يكن مجرد نص سياسي، بل وثيقة تأسيسية لفلسفة “السودان الجديد”.
الكتاب جاء في أوج الحرب الأهلية الثانية، بعد انهيار اتفاقية أديس أبابا 1972 وانقلاب البشير 1989، ليقدّم طرحًا بديلًا يقوم على المواطنة، الديمقراطية، والعدالة الاقتصادية. وقد ساعد منصور خالد على إخراجه بصيغة فكرية عالمية، جعلت أفكار قرنق قابلة للتداول في الأوساط الأكاديمية والسياسية الدولية.
قوة الطرح: مشروع للمواطنة والديمقراطية
١. المواطنة بدل الهوية الضيقة: الدولة لا تُبنى على الدين أو القبيلة، بل على المساواة.
٢. الديمقراطية كشرط للسلام: بلا مشاركة سياسية، ستعود الحرب مهما كانت الاتفاقيات.
٣. العدالة الاقتصادية: التنمية الريفية والزراعية أساس التحرر الحقيقي، وليس النفط فقط.
مواطن القصور والانتقادات
١. غياب خطة اقتصادية تفصيلية لإدارة الموارد والريع.
٢. تفاؤل زائد بتحول الحركة الشعبية من حركة مسلحة إلى مؤسسة سياسية.
٣. تركيز كبير على الوحدة، مع إغفال قوة النزعة الانفصالية، التي تحققت لاحقًا عام 2011.

الواقع الراهن في جنوب السودان
بعد أكثر من عقد على الاستقلال، تبدو تحذيرات قرنق وكأنها نبوءة:
١. القبلية بدل المواطنة،
٢. السلطة الفردية بدل الديمقراطية،
٣. اقتصاد نفطي هش بدل تنمية مستقلة،
٤. سلام متعثر بدل استقرار مستدام.
اليوم يعيش أكثر من 9 ملايين مواطن في حاجة إلى مساعدات إنسانية، فيما انكمش الاقتصاد بأكثر من 30% بسبب توقف تصدير النفط عبر السودان. وهكذا أعاد الجنوب إنتاج أزمات الشمال.
منصور خالد: المثقف الذي صاغ النداء
كان منصور خالد (1931–2020) الجسر الفكري بين قرنق والعالم. بصفته مفكرًا موسوعيًا ووزيرًا سابقًا في حكومة مايو، ثم ناقدًا شرسًا للخرطوم، استطاع أن يصوغ أطروحات قرنق في لغة تحليلية عميقة. دوره في الكتاب لم يكن مجرد تحرير، بل:
• ترجمة الخطاب الثوري إلى نص فكري،
• تقديم سياقات تاريخية للقارئ الدولي،
• تأطير مشروع “السودان الجديد” كفلسفة سياسية، لا مجرد حركة مسلحة.
دور منصور خالد هنا يتجاوز التحرير: لقد جعل أفكار قرنق تصل إلى القارئ الدولي، موثقًا “الحلم” في كتاب باقٍ، حتى وإن تعثّر في الواقع.
الخلاصة لجمهور اليوم:
قرنق ومنصور خالد لم يكتبا للتاريخ فقط، بل كتبا للمستقبل. وما لم نستمع لذلك النداء، سيبقى الجنوب أسيرًا لدوامة الحرب والتهميش والفساد.

الخلاصة: بين النداء والواقع
نداء الديمقراطية لم يكن كتابًا عابرًا، بل صرخة تأسيسية ضد الاستبداد والتهميش. قوته في وضوح الرسالة: لا دولة بلا مواطنة، لا سلام بلا ديمقراطية، ولا عدالة بلا تنمية متوازنة.
لكن ضعف التطبيق بعد الاستقلال جعل جنوب السودان يعيد إنتاج نفس أزمات الشمال: حرب، فساد، وتهميش.
نداء الديمقراطية كان أكثر من كتاب: كان وصية فكرية. لكن غياب التطبيق بعد الاستقلال جعل جنوب السودان يسقط في نفس أزمات الشمال.
اليوم، السؤال الأهم:
هل يملك قادة جنوب السودان الشجاعة لاستعادة فلسفة المواطنة والديمقراطية والعدالة الاقتصادية، التي بشّر بها قرنق، وتحويلها إلى مشروع وطني؟ أم سيظل الكتاب مجرد وثيقة تاريخية يقرأها الباحثون بينما يغرق الوطن في الحروب والأزمات؟
مؤلفات جون قرنق: فكر يتجاوز الميدان
إلى جانب نداء الديمقراطية، ترك جون قرنق عدة كتب وأوراق مهمة:
1. The Call for Democracy in Sudan (1992) – أهم كتبه وأكثرها تأثيرًا.
2. John Garang Speaks – مجموعة خطابات ومحاضرات جُمعت لاحقًا في كتاب.
3. Sudan Vision: The Vision of the New Sudan – أوراق سياسية ومحاضرات عن السودان الجديد.
4. خطابه في توقيع اتفاقية السلام الشامل (2005) – وثيقة تاريخية نُشرت بشكل مستقل.
5. أطروحته للدكتوراه في جامعة أيوا (1981): Identifying, Selecting and Implementing Rural Development Strategies for Socio-economic Development in the Jonglei Canal Area – تناول فيها التنمية الريفية، وهو ما انعكس لاحقًا على مشروعه السياسي.
كتب ودراسات تناولت فكر قرنق
• منصور خالد: John Garang Speaks (حرّر مجموعة خطابات قرنق).
• Douglas H. Johnson: The Root Causes of Sudan’s Civil Wars.
• Peter Woodward: Sudan After Nimeiri.
• Jok Madut Jok: Sudan: Race, Religion, and Violence.
• Mahmood Mamdani: دراسات متعددة عن مشروع السودان الجديد.
هذه الأعمال، إلى جانب كتابات منصور خالد (النخبة السودانية وإدمان الفشل)، تقدم صورة شاملة عن فكر قرنق ومشروعه السياسي.



